اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

الليطاني بعد الحرب… السدُّ صامد لكنّ المعركة لم تنتهِ

صيدا اون لاين

لم تقتصر تداعيات الحرب الأخيرة على الدّمار الذي طال القرى والبلدات الجنوبيّة، بل وضعت أيضاً واحدة من أهم المنشآت الحيويّة في لبنان أمام اختبارٍ صعب. فسدّ القرعون، الذي يُشكّل ركيزة للأمن المائي والغذائي والكهربائي، بقي في دائرة الضّوء طوال فترة الحرب، فيما كانت المصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني تخوض في الوقت نفسه معارك أخرى لا تقل أهميّة، من إزالة التعدّيات واسترداد الأملاك العامة إلى مكافحة التلوّث والحفاظ على إنتاج الطاقة الكهرومائيّة. فكيف خرج الليطاني من الفصل الأخير من الحرب؟ وما الذي تحقّق في ملف إزالة التعديات؟ وهل بدأ النهر يستعيد عافيته؟

يؤكّد المدير العام للمصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني، الدكتور سامي علوية، أنّ "الكشوفات الهندسيّة والفنية أثبتت سلامة جسم سدّ القرعون ونواته الداخليّة، وعدم تعرضهما لأيّ أضرار إنشائيّة تؤثر على استقرار السدّ أو قواعد تشغيله"، إلا أنّ الاعتداءات، بحسب علوية، طالت الطرق الفنية الواقعة عند المنحدر السفلي للسدّ، وهي جزءٌ أساسي من منظومة السلامة لأنها تتيح الوصول إلى أجهزة القياس والمنشآت التشغيليّة وإجراء أعمال الصيانة والمراقبة الدوريّة، كما تسبّبت بانهيارات صخرية أعاقت الوصول إلى بعض المواقع الفنيّة. ويشير، في مقابلة مع موقع MTV، إلى أنّ "الدولة تعاملت مع السدّ باعتباره منشأة استراتيجيّة، فشهدت الفترة الماضية اتصالات من قبل رئيس الجمهورية جوزاف عون لتحييده عن الاستهداف، بالتوازي مع إجراءات اتخذتها المصلحة بالتّنسيق مع الجيش اللبناني والأجهزة الأمنيّة، شملت تنظيم الدّخول إلى محيط السدّ وإعلانه منطقة عسكريّة مقفلة حفاظاً على سلامة المواطنين والمنشأة".

وفي ملفّ الكهرباء، يؤكّد علوية أنّ "قطاع الإنتاج الكهرومائي بقي من أكثر قطاعات الطاقة استقراراً رغم الحرب والأزمة الاقتصاديّة، كونه يعتمدُ على مورد وطني متجدّد ولا يرتبط باستيراد المحروقات. وتدير المصلحة معامل عبد العال والأولي وشارل حلو، إضافة إلى الأنفاق المائية ومحطات التحويل"، كاشفاً أنّ "أبرز التحدّيات لم تكن في المعامل نفسها، بل في الأعطال التي أصابت خطوط النّقل التابعة لمؤسّسة كهرباء لبنان، ما حال أحياناً دون تصريف كامل الطاقة المنتجة رغم جهوزية المعامل. ورغم ذلك، استمرّت أعمال الصيانة والكشف على الأنفاق والمنشآت الكهروميكانيكيّة، مع التنسيق لإعادة التغذية إلى المناطق المُستفيدة فور إصلاح الأعطال".
ويشدّد علوية على أنّ "إدارة الطاقة الكهرومائية ترتبط أيضاً بحسن إدارة الموارد المائيّة، إذ تشكل مياه بحيرة القرعون مخزوناً استراتيجياً للري والأمن المائي، إلى جانب إنتاج الكهرباء، ما يفرض تحقيق توازن بين مختلف الاستخدامات، خصوصاً في ظل تراجع الواردات المائية الناتج عن التغيرات المناخية".

وبعيداً من تداعيات الحرب، يبرز ملفّ إزالة التعدّيات باعتباره أحد أبرز الملفّات التي تعمل عليها المصلحة. ويوضح علوية أنّ "حماية الأملاك العامة النهريّة ليست إجراءً مؤقتاً، بل مسؤوليّة دائمة، بدأت بتحديد الحدود العقاريّة وإعداد الملفات الفنية والقانونية، وصولاً إلى المُلاحقات القضائية وتنفيذ الإزالات".
ويكشف أن "المصلحة نفّذت خلال السنوات الماضية أكبر عملية استرداد للأملاك العامّة النهرية في لبنان، حيث جرى تحرير ما يقارب مليوني متر مربع من الأملاك العامة النهريّة واستملاكات المصلحة، إضافة إلى نحو 200 ألف متر مربّع ضمن مشروع ريّ القاسمية، فضلاً عن إزالة تعديات عن مشاريع الريّ في البقاع الجنوبي والقاسمية – رأس العين، وصيدا – جزين، ومحيط بحيرة وسدّ القرعون، واستملاكات معملي الأولي وجون. ولم تقتصر الإزالات على الاستراحات المُخالفة، بل شملت مباني ومنشآت خرسانيّة، ومزارع، وردميّات، ومكبّات، ومخيّمات نازحين، وعوائق وسدوداً داخل مجرى النهر كانت تعيق الجريان الطبيعي للمياه". أما اليوم، فيؤكد علوية "أن الأولويّة أصبحت منع أي تعدٍ جديد منذ لحظة نشوئه، ولا سيما تلك التي استغلت ظروف الحرب أو ضعف الرقابة لفرض أمر واقع جديد".

وعن الضغوط السياسية، يتحدث علوية بلهجة حاسمة، قائلاً "لا تهمّني التدخّلات، ولا تعنيني، بل أكون سعيداً بمواجهتها"، ويشدّد على أن المصلحة تُطبّق القانون على الجميع من دون تمييز، وأن معيارها الوحيد هو المخالفة نفسها، لا هوية مرتكبها أو مرجعيّته السياسية، لافتاً الى أنّ "استرداد ما يُقارب مليوني متر مربع من الأملاك العامة ما كان ليتحقّق لو خضعت المصلحة لأيّ غطاءٍ سياسيّ أو اجتماعي، مشيراً الى أنّ "التعاون بين القضاء اللبنانيّ والأجهزة الأمنيّة والإدارة كان عاملاً أساسيّاً في تنفيذ قرارات إزالة التعديات واستعادة الملك العام".

وفي موازاة ذلك، تواصل المصلحة التّنسيق مع وزارة الداخليّة والبلديات، والجيش اللبناني، وقوى الأمن الداخلي، والنيابات العامّة، إلى جانب وزارة الصناعة ووزارة البيئة ووزارة الطاقة والمياه، ليس فقط لمنع التعدّيات الجديدة، بل أيضاً لمكافحة مصادر التلوّث وملاحقة المخالفات البيئيّة. أما في ما يتعلّق بجودة المياه، فيقول علوية إنّ "واقع الليطاني يختلف بين الحوض الأعلى والحوض الأدنى، إلا أنّ المصلحة أصبحت تمتلك اليوم قاعدة علميّة دقيقة تحدد مصادر التلوث، ما سمح بالانتقال من المعالجة القائمة على التّقديرات إلى المعالجة المبنية على البيانات والكشوفات الميدانية".
ويؤكد أنّ الصّرف الصحي غير المعالج لا يزال يشكل المصدر الأكبر للتلوّث، ولا سيما في الحوض الأعلى، إلى جانب مكبّات النفايات والردميّات، فضلاً عن غياب البنى التحتية في عدد من مخيّمات النازحين السوريّين المقامة بمحاذاة النهر، ما يؤدّي إلى تصريف المياه المبتذلة مباشرة في مجراه أو روافده.

في المقابل، يُشير إلى تحقيق تقدّم في ضبط التلوث الصناعي، من خلال آلية مشتركة مع وزارة الصناعة أسفرت عن مئات الكشوفات الميدانيّة وإجراءات قانونية بحق المؤسّسات المخالفة، فيما عمدت مؤسّسات أخرى إلى إنشاء أو تشغيل محطات المعالجة الخاصّة بها وتصحيح أوضاعها، جازماً أن "التعافي الكامل لنهر الليطاني يبقى مرتبطاً باستكمال مشاريع الصّرف الصحي، وتشغيل محطّات التكرير بكامل طاقتها، ومعالجة ملفّ النفايات، واستمرار الرقابة على المؤسّسات الصناعية، إلى جانب منع أيّ تعديات جديدة على الأملاك العامة النهرية".

ويختم علوية قائلاً: "أنا على قناعة بأنّ مستقبل الليطاني هو جزء من مستقبل الأمن المائي في لبنان. فإذا نجحنا في إصلاح قطاع المياه والصرف الصحي، وحماية الأنهار، وتطوير البنية التحتيّة، فإنّنا لا نحمي البيئة فحسب، بل نحمي الأمن الغذائي، والطاقة، والصحة العامة، والاقتصاد الوطني. وهذه هي الرؤية التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة، وأن تتحول إلى سياسة دولة، لا إلى مبادرات متفرقة أو حلول ظرفية".

رغم التقدّم الذي تحقّق خلال السنوات الأخيرة، معركة الليطاني لا تزال طويلة. فالحرب أثبتت أن حماية المنشآت المائيّة هي ضرورة قصوى، أمّا التعدّيات والتلوث، فتؤكّد أنّ الخطر لا يأتي فقط من الاعتداءات الخارجيّة، بل أيضاً من ممارسات داخلية استنزفت النهر لعقود. ويبقى نجاح هذه المعركة مرهوناً باستمرار تطبيق القانون على الجميع، لأنّ الليطاني ليس مجرّد نهر و"خطّ فاصل"، بل شريان حياة لكلّ لبنان، وحمايته مسؤولية وطنية جامعة لا تحتمل أيّ مساومة أو تأجيل.

تم نسخ الرابط