اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

خمس مكاسب وخمس ألغام… ماذا حمل عون من واشنطن؟

صيدا اون لاين

عاد رئيس الجمهورية جوزاف عون من واشنطن أقوى سياسياً، لكنه لم يعد بأدوات أقوى على الأرض. أعادت لقاءاته في البيت الأبيض ووزارة الخارجية والكونغرس وضع رئاسة الجمهورية في قلب العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة، إلا أن النتائج العملية بقيت دون مستوى التحول الكامل. فلا انسحاب إسرائيلياً نهائياً، ولا جدول زمنياً ملزماً، ولا أموال جاهزة لإعادة الإعمار، ولا برنامج تسليح استثنائياً للجيش اللبناني. نجحت الزيارة في فتح الباب أمام مسار جديد، لكن نتائجها الفعلية ستتحدد في الجنوب وعند مقاربة ملف سلاح حزب الله.

 

أولى إيجابيات الزيارة أنها أعادت لبنان إلى البيت الأبيض من باب الدولة. تعاملت واشنطن خلال السنوات الماضية مع لبنان من خلال ملفات منفصلة شملت الجيش والعقوبات وحزب الله والحدود ومصرف لبنان والمساعدات، بينما حضر رئيس الجمهورية هذه المرة بصفته ممثل الدولة والطرف الذي تريد الإدارة الأميركية التفاوض معه حول المرحلة المقبلة. منح هذا التطور عون ثقلاً داخلياً واضحاً، وأظهر أن واشنطن تراهن على رئيس الجمهورية والجيش في مشروع استعادة الدولة لقرارها، إلا أن هذا الرهان يبقى مرتبطاً بقدرتهما على اتخاذ خطوات فعلية في ملفات السلاح والحدود والمؤسسات.

 

الإيجابية الثانية أن عون نجح سياسياً في تثبيت معادلة أكثر توازناً من الطرح الإسرائيلي. تقوم هذه المعادلة على انسحاب إسرائيلي تدريجي يقابله انتشار للجيش وبسط لسلطة الدولة، بما يمنع حصر الالتزامات بالجانب اللبناني وحده. لم يعد المطلوب أن تنزع الدولة سلاح حزب الله ثم تنتظر قراراً إسرائيلياً بالانسحاب، بل بات المسار قائماً على خطوات متبادلة تبدأ بانسحاب إسرائيل من منطقة ودخول الجيش إليها قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة. وتعطي هذه المعادلة الدولة حجة داخلية مهمة، إذ يمكنها القول إن استعادة الأرض ممكنة من خلال الجيش والقرار السياسي، لكن إسرائيل لم تلتزم حتى الآن بنهاية واضحة للمسار، وبقي الانتقال بين مراحله مرتبطاً بتقييم أميركي وإسرائيلي للأداء اللبناني.

 

الإيجابية الثالثة أن الجيش خرج من الزيارة بصفته المؤسسة المركزية في أي تسوية مقبلة. لم يعد الحديث عنه محصوراً بالمساعدات والرواتب والوقود، بل بات مطلوباً منه استلام المناطق وضبط الحدود ومنع إعادة بناء المواقع العسكرية وحماية الاستقرار. يخدم هذا التحول مشروع الدولة سياسياً، لكنه يفتح أسئلة عسكرية جدية حول قدرة الجيش على تنفيذ هذه المهمات، خصوصاً أنه يحتاج إلى تجهيز وتسليح ودعم طويل الأمد. ولم تظهر حتى الآن التزامات أميركية نهائية تتناسب مع حجم المسؤوليات الموضوعة على عاتقه، إذ لا يزال الدعم السياسي أكبر من القدرات التي حصل عليها الجيش فعلياً.

 

الإيجابية الرابعة أن عون ربط ملف السلاح بملفي الاقتصاد وإعادة الإعمار. فالجنوب ليس خريطة عسكرية فقط، بل مساحة تضم قرى مدمرة وعائلات مهجرة ومؤسسات متوقفة وأهالي يريدون العودة إلى منازلهم. ولا يمكن للدولة أن تطلب تغيير الواقع الأمني فيما تعجز عن إعادة الإعمار وتأمين الخدمات وفرص العمل. كان ربط الأمن بالإعمار خطوة استراتيجية صحيحة، لأن أي فراغ تتركه الدولة ستملؤه جهة تملك المال والخدمات والقدرة على دعم السكان، لكن هذا الملف بقي في دائرة الوعود. فلا صندوق جاهزاً، ولا مؤتمر تمويلياً محدداً، ولا أرقام معلنة، ما يعني أن الإعمار دخل إلى النقاش من دون أن يتحول بعد إلى التزام مالي.

 

الإيجابية الخامسة أن الزيارة منحت لبنان فرصة إضافية لتفادي الحرب المفتوحة. قدّم عون الدولة اللبنانية باعتبارها طرفاً يحاول استعادة القرار وبسط سلطة المؤسسات، وساعد هذا الموقف في الفصل بين لبنان الرسمي وحزب الله. ويمنح هذا الفصل واشنطن سبباً لإعطاء المسار السياسي فرصة قبل العودة إلى الخيار العسكري، إلا أن هذه الفرصة تبقى محدودة. فقد تتراجع الحماية السياسية إذا فشلت الدولة في تنفيذ التزاماتها أو إذا تعثر المسار الداخلي.

 

في المقابل، حملت الزيارة سلبيات ثقيلة، أولها أن عون لم يحصل على جدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي. ما بدأ هو انسحاب محدود ومشروط وقابل للتوقف عند أي مرحلة، ما يسمح لإسرائيل بالادعاء أن التنفيذ اللبناني غير كاف واستخدام هذا الادعاء لتبرير استمرار وجودها. ويكمن الخطر في تحول الوجود المؤقت إلى وجود طويل الأمد، وبقاء قرى ومواقع تحت الاحتلال فيما يستمر النزوح ويتأخر الإعمار.

 

السلبية الثانية تتعلق بآلية التحقق. لم تُحسم الجهة التي ستقرر أن منطقة معينة أصبحت خالية من السلاح، كما لم يُحسم مدى قبول إسرائيل بتقارير الجيش اللبناني، ولا قواعد التفتيش في الأملاك الخاصة أو دور اللجان الدولية. وقد تتحول هذه التفاصيل إلى السبب الرئيسي لتعطيل المسار، إذ يمكن للجيش أن يعلن إنجاز مهمته فيما ترفض إسرائيل النتيجة. عندها يتوقف الانسحاب وتعود الضربات، ويصبح لبنان عالقاً بين شروط الخارج واعتراضات الداخل.

 

السلبية الثالثة أن واشنطن رفعت سقف المطلوب من عون إلى مستوى قد يتجاوز قدرة الدولة. المطلوب حصر السلاح وتفكيك البنية العسكرية ووقف التمويل وضبط الحدود ومنع إعادة التسلح وتنفيذ الإصلاحات وتقديم ضمانات أمنية، فيما تواجه الدولة أزمة مالية وضعفاً مؤسساتياً وانقساماً سياسياً. منح الدعم الأميركي عون قوة سياسية، لكنه حمّله أيضاً مسؤولية كبيرة قد يتحول معها الدعم إلى ضغط إذا لم يتمكن من تحقيق النتائج المطلوبة.

 

السلبية الرابعة هي خطر الصدام الداخلي. سلاح حزب الله ليس ملفاً إدارياً يمكن إقفاله بقرار حكومي، لأن الحزب يعتبره جزءاً من وجوده ودوره الداخلي والإقليمي. وقد تفتح أي محاولة سريعة أو قسرية لنزعه باب المواجهة مع الجيش، كما قد تؤدي إلى توتر داخل البيئة الشيعية وانقسام داخل مؤسسات الدولة. يحتاج عون إلى مسار تدريجي يوقف إعادة التسلح ويضبط التمويل ويفكك القدرات العسكرية ويوسع حضور الدولة من دون دفع لبنان إلى حرب داخلية، وهو مسار ممكن نظرياً لكنه شديد الصعوبة عملياً.

 

السلبية الخامسة هي ربط الاقتصاد وإعادة الإعمار بالملف الأمني. تريد واشنطن أن ترى تقدماً في ملف السلاح قبل فتح باب الدعم الكامل، وهذه المعادلة تمنح الدولة حافزاً لكنها تجعل اللبنانيين رهائن ملف لا يملكون القدرة على حله. وقد تتعطل أموال الإعمار ودعم الجيش والمساعدات الاقتصادية إذا تعثر التفاهم السياسي، وعندها يدفع المواطن ثمن الصراع بين الدولة وحزب الله وإسرائيل والولايات المتحدة.

 

في المحصلة، كانت زيارة عون ناجحة سياسياً لكنها لم تكن زيارة حسم. استعاد لبنان موقعه في واشنطن، وحصل الرئيس على دعم مباشر، ووُضع الجيش في قلب التسوية، وارتبط الانسحاب بانتشار الدولة، ودخل الإعمار إلى النقاش. إلا أن الملفات الحاسمة بقيت مفتوحة، إذ لم تحدد إسرائيل موعد خروجها، ولم تُحسم آلية التحقق، ولم يحصل الجيش بعد على كل ما يحتاج إليه، ولم تصل أموال الإعمار، ولم يعلن حزب الله استعداده للتخلي عن سلاحه.

 

عاد عون من واشنطن أقوى في السياسة، لكنه لم يعد أقوى في التنفيذ. منحته واشنطن فرصة وأعادته إلى لبنان بمهمة شديدة الخطورة، تقوم على إثبات قدرة الدولة على ملء الفراغ، وقدرة الجيش على استلام الأرض، وإمكان معالجة سلاح حزب الله من دون تفجير البلد. لن يُقاس نجاح الزيارة بصورة عون مع ترامب، بل بما سيحصل بعد الصورة، وبما إذا كانت إسرائيل ستنسحب من مناطق جديدة، وما إذا كان الجيش سيحصل على السلاح والدعم، وما إذا كان الإعمار سيبدأ، وما إذا كان عون سيتمكن من تحويل الدعم الأميركي إلى مسار لبناني لا ينتهي بحرب داخلية. لذلك تبقى زيارة واشنطن بداية مهمة لمسار طويل، لا خاتمة له

تم نسخ الرابط