اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

سجون لبنان بين "معاناة الموقوفين" "والعفو العام"

صيدا اون لاين

لم تعد قضية السجون في لبنان مجرّد ملف قانوني ينتظر توافقاً سياسياً أو دورة تشريعية جديدة، بل تحوّلت إلى قضية إنسانية تتصدر النقاش العام في ظل الاكتظاظ الخانق، وتراجع الرعاية الصحية، واستمرار توقيف آلاف الأشخاص لسنوات من دون محاكمات أو حتى جلسات قضائية، في مشهد يعكس أزمة عميقة في منظومة العدالة. ومن هذا الواقع، عاد ملف العفو العام إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز المخارج المطروحة لتخفيف الأزمة، وسط مطالبات بأن يُنظر إليه كخطوة نحو الإنصاف والمصالحة، لا كقضية سياسية أو فئوية.

 

ففي الجلسة الأخيرة لمجلس النواب، سقط إقرار قانون العفو العام مجدداً تحت وطأة الانقسامات السياسية، بعدما أخفق المجلس في طرح الاقتراح على التصويت النهائي، بسبب فقدان النصاب واستمرار الخلافات حول الفئات التي سيشملها العفو، ولا سيما الموقوفين الإسلاميين والمتهمين في قضايا الإرهاب، إضافة إلى النقاش الدائر حول ربط القانون بإلغاء عقوبة الإعدام واستبدالها بالسجن المؤبد.

 

تكشف الأرقام حجم الأزمة التي تعيشها السجون اللبنانية. فلبنان يضم 25 سجناً رئيسياً، أكبرها سجن رومية المركزي، و29 نظارة، فيما لا تتجاوز القدرة الاستيعابية لهذه المراكز 4500 نزيل، في حين يتخطى عدد السجناء الـ 6500 سجين، وفق آخر الإحصاءات الرسمية والحقوقية. يشكّل غير اللبنانيين نحو 48 في المائة من مجموع النزلاء، فيما يشكل السجناء السوريون النسبة الأكبر، بما يقارب 30 في المائة، ورغم الإفراج عن عدد منهم خلال الفترة الأخيرة، لا يزال كثيرون يقبعون خلف القضبان، وبعضهم بسبب ملفات أمنية مرتبطة بمواقفهم من الثورة السورية.

 

ولا تقتصر الأزمة على الاكتظاظ، بل تمتد إلى بطء العدالة، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 83 في المائة من نزلاء السجون هم موقوفون لم تصدر بحقهم أحكام نهائية، ما يعني أن الغالبية لا تزال تنتظر محاكماتها بعد سنوات من التوقيف.

 

"مقابر للأحياء"

 

يصف أحد السجناء اللبنانيين واقع السجون بأنه "كارثة إنسانية"، قائلاً: "نحن نعيش في زنزانات ضيقة تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة البشرية، حتى أصبت بالنسبة إلينا مقابر للأحياء. ولا يقتصر الأمر على ضيق المكان، بل يمتد إلى الإهمال الطبي الممنهج الذي يحوّل الأمراض العادية إلى أحكام إعدام غير معلنة، حيث يفقد سجناء حياتهم بسبب غياب الرعاية والدواء."

 

"عدالة بطيئة"

 

ويتحدث سجين آخر عن أزمة العدالة، مؤكداً أن "المظلومية لا تقتصر على الموقوفين الإسلاميين، وإن كانت ملفات كثير منهم ارتبطت بتداعيات الثورة السورية، بل تشمل آلاف الموقوفين الذين أمضوا سنوات خلف القضبان من دون أن تعقد لهم جلسة محاكمة واحدة، في ظل عدالة بطيئة باتت سيفاً مسلطاً على رقاب الأبرياء."

 

نداءٌ لتوحيد الموقف

 

وفي ظل هذا الواقع، وجّه سجناءٌ في سجن رومية، نداءً إلى المرجعيات السياسية والقيادات والنواب السنّة في لبنان، دعوهم فيه إلى توحيد الموقف والتعامل مع ملف السجون باعتباره قضية إنسانية ووطنية جامعة، بعيداً عن الحسابات السياسية والخلافات الداخلية.

 

وأكد السجناء في بيانهم أن قضيتهم "تمس صلب وجدان وكرامة المجتمع"، مطالبين بـ"رصّ الصفوف والتعالي على الخلافات ليكون الموقف واحداً وصلباً لا يقبل المساومة"، والعمل الجاد لإقرار قانون العفو العام وإنهاء هذا الملف الإنساني الذي طال أمده. وشدد السجناء على أن إقرار قانون العفو العام لا يشكل تهديداً لأي مكوّن لبناني، بل يمثل خطوة نحو تصحيح اختلالات العدالة، وتخفيف المعاناة الإنسانية، وتعزيز المصالحة المجتمعية والاستقرار.

 

سجالٌ سياسي

 

وفي موازاة تصاعد المطالب بإقرار قانون العفو العام، استمر السجال السياسي حول صيغته ومضمونه، وسط تباين في مواقف الكتل النيابية بشأن آلية إقراره والفئات التي ينبغي أن يشملها. وفي هذا السياق، أكد النائب وليد البعريني تمسكه بإقرار قانون عفو عام شامل وعادل لا يستثني أحداً ولا يُفرَّغ من مضمونه، داعياً إلى تجاوز الحسابات السياسية الضيقة واعتماد معايير موحدة في تطبيق العدالة.

في المقابل، شددت النائبة غادة أيوب على أن "القوات اللبنانية" لم تعرقل إقرار القانون، بل اقترحت معالجة ملف المحكومين بالإعدام ضمن نص قانون العفو نفسه، داعية رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى عقد جلسة تشريعية مخصصة حصراً لقانون العفو العام وترك حسمه للتصويت.

 

وبين معاناة السجناء المستمرة والسجال السياسي الذي لم يُحسم بعد، يبقى السؤال: هل تنجح القوى السياسية في إقرار قانون عفوٍ عام يُخفّف أزمة السجون ويعيد الاعتبار لمفهوم العدالة، أم يبقى آلاف الموقوفين رهائن الانقسامات، فيما تتفاقم معاناتهم خلف القضبان بلا أفق لحلٍ قريب؟

تم نسخ الرابط