اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

جبانة سيروب ليست مرتعًا للمخدرات.. وحرمة الأموات خط أحمر

صيدا اون لاين

لم يعد السكوت عن ظاهرة تعاطي المخدرات وحقن الإبر المخدرة داخل المقابر أمرًا مقبولًا، ولم يعد بالإمكان التعامل مع هذه المشاهد باعتبارها مجرد تصرفات فردية عابرة. ما يحصل في جبانة سيروب أمر خطير ومسيء، ليس فقط لأنه يعكس حجم انتشار آفة المخدرات في مجتمعنا، بل لأن هذه الآفة وجدت طريقها إلى مكان يفترض أن يكون مصانًا ومحترمًا، مكان له حرمته وقدسيته، ولا يجوز أن يتحول بأي شكل من الأشكال إلى وكر لتعاطي المخدرات.

المقبرة ليست مكانًا عاديًا. إنها المكان الذي يرقد فيه موتانا، ويقصده أهلهم وأحباؤهم للدعاء وقراءة الفاتحة واستذكار من رحلوا. إنها مساحة يفترض أن يسودها الهدوء والوقار والاحترام، لا أن يجد الزائر بين القبور إبرًا مخدرة وآثارًا لتعاطي المواد الممنوعة، أو أن يصادف أشخاصًا يمارسون هذه الأفعال في وضح النهار أو بعيدًا عن أعين الناس.

والمؤسف أن ما نشهده اليوم في جبانة سيروب ليس جديدًا على صيدا. فقد سبق أن عانت جبانة صيدا من آفة مماثلة، ورفعنا الصوت عاليًا يومها، وقلنا بوضوح إن المقابر ليست مكانًا لتعاطي المخدرات، وإن حرمة الموتى يجب أن تكون فوق كل اعتبار. طالبنا المسؤولين والجهات المعنية بالتحرك، واستمر رفع الصوت إلى أن تمت معالجة المشكلة ووضع حد لهذه الظاهرة.

لكن ما يدعو إلى الاستغراب والقلق في الوقت نفسه أننا تفاجأنا بأن هذه الآفة، وبعد أن تراجعت في جبانة صيدا، انتقلت إلى المقبرة الثانية في سيروب.

فهل المطلوب أن ننتظر حتى تنتقل المشكلة من مقبرة إلى أخرى؟ وهل أصبحت المقابر أماكن مستباحة لمن يريد تعاطي المخدرات بعيدًا عن أعين الناس؟ وأين هي الرقابة؟ وأين هي مسؤولية الجهات المشرفة على هذه الأماكن؟ وأين دَور دار الأوقاف والمسؤولين والبلديات والجهات الأمنية في منع تكرار هذه المشاهد؟

لا يمكن أن نقبل بأن يدخل أحد المواطنين إلى المقبرة لزيارة قبر والده أو والدته أو ابنه أو شقيقه، فيجد أمامه مشاهد تعاطي المخدرات أو آثار الإبر المرمية بين القبور. ولا يمكن أن نقبل أن تصطحب عائلة أطفالها إلى المقبرة فتضطر إلى حمايتهم من مشاهد وممارسات لا تليق لا بالمكان ولا بالمجتمع.

نحن لا نتحدث عن معاقبة شخص فقط أو إبعاد متعاطٍ من مكان معين، بل نتحدث عن ضرورة وضع حد لظاهرة خطيرة تحتاج إلى معالجة من جذورها. المدمن يحتاج إلى علاج وتأهيل ومتابعة، والمجتمع يحتاج إلى برامج توعية ومكافحة للإدمان، لكن في المقابل يجب أن تكون هناك إجراءات حازمة تمنع تحويل المقابر إلى أماكن لممارسة التعاطي.

وعلى الجهات المسؤولة أن تتحرك قبل أن تتوسع المشكلة، وأن تضع خطة واضحة لحماية المقبرة، من خلال تكثيف الرقابة، وتأمين الإنارة، وإغلاق المداخل أو النقاط التي يمكن استغلالها للدخول في ساعات الليل، والتنسيق مع القوى الأمنية والجهات المختصة عند الضرورة، ومراقبة المكان بصورة جدية بدل انتظار وقوع المشكلة ثم التحرك.
كما أن المطلوب من دار الأوقاف، باعتبارها جهة معنية بمتابعة شؤون المقابر والأماكن الدينية، أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تتعامل مع هذه القضية بالجدية التي تستحقها. فالمقبرة ليست ملكًا لفرد أو جهة، وإنما هي حرمة عامة وذاكرة لأهل المدينة، وكل تقصير في حمايتها ينعكس على كرامة الناس ومشاعرهم.

لقد رفعنا الصوت في جبانة صيدا، ولم يكن هدفنا يومها التشهير بأحد أو المزايدة على أحد، بل كان الهدف حماية المكان ووضع حد لمشهد غير مقبول. واليوم نكرر الموقف نفسه في جبانة سيروب، لأن المشكلة إذا انتقلت من مكان إلى آخر فهذا يعني أن المعالجة السابقة لم تكن كافية، وأن المطلوب مقاربة أشمل وأشد جدية.

نحن لا نريد أن تتحول صيدا ومحيطها إلى مدينة تعتاد على مثل هذه المشاهد. ولا نريد أن يصبح العثور على إبرة مخدرة بين القبور أمرًا طبيعيًا، أو أن يصبح تعاطي المخدرات داخل المقابر مشهدًا يتكرر حتى يفقد الناس قدرتهم على الاعتراض.

هناك أمور لا يجوز أن تصبح عادية مهما تكررت.

تعاطي المخدرات آفة خطيرة، لكن تعاطيها داخل المقابر هو تجاوز لخط أحمر لا يجوز السماح بتخطيه.

لذلك، فإننا نرفع الصوت اليوم مجددًا، ونضع هذه القضية أمام المسؤولين ودار الأوقاف والجهات الأمنية والبلدية وكل جهة معنية، ونطالب بتحرك سريع وواضح، لا ببيانات ولا بوعود، بل بإجراءات ملموسة يشعر بها الناس على أرض الواقع.

نريد أن نرى المقبرة آمنة ونظيفة ومحترمة. نريد أن يستطيع أهل الموتى زيارة قبور أحبائهم من دون خوف، ومن دون أن يصادفوا مشاهد تسيء إلى حرمة المكان. ونريد أن يعرف كل من يفكر في تحويل المقبرة إلى مكان للتعاطي أن هذا الأمر لن يكون مسموحًا أو مقبولًا.

الموتى لهم حرمتهم، والقبور لها حرمتها، وأهل الموتى لهم كرامتهم.
ومن هنا، فإن المسؤولية تقع اليوم على عاتق من يستطيع التحرك. فالمشكلة واضحة، والمشاهد واضحة، والخطر واضح، ولم يعد هناك أي مبرر للانتظار.

لقد رفعنا الصوت بالأمس في جبانة صيدا حتى حُلّت المشكلة، واليوم نرفعه في جبانة سيروب قبل أن تتفاقم الأمور أكثر.

فهل يتحرك المسؤولون؟

هذا ما ننتظره.

أما أن تبقى المقابر مستباحة أمام هذه الآفة، فذلك أمر لن يكون مقبولًا، لأن حرمة الأموات ليست تفصيلًا، وكرامة المقابر ليست قضية ثانوية، وسيروب ليست مرتعًا لتعاطي المخدرات.

IMG-20260811-WA0291
IMG-20260811-WA0290
تم نسخ الرابط