تلة علي الطاهر: غازات سامة وتحضيرات لعملية واسعة
تتجه الأوضاع على الحدود اللبنانية الجنوبية نحو مرحلة شديدة الخطورة، مع تكثيف الجيش الإسرائيلي لعملياته التكتيكية واعتماده تكتيك ضخ غازات صفراء شديدة السمية داخل أنفاق "حزب الله" في تلة علي الطاهر.
الخطوة وصفتها مصادر أمنية وغربية بأنها "هندسة تمهيدية لخنق المتحصنين وتطهير الأرض"، قبيل إطلاق عملية برية وجوية واسعة النطاق في إقليم التفاح والبقاع الغربي يُراهن عليها بنيامين نتنياهو لإنقاذ مستقبله السياسي.
وفي هذا السياق، تكشف تقارير استخباراتية وجهات دبلوماسية وأمنية غربية رفيعة المستوى عن تحولات جذرية في عقيدة ومسار التحركات العسكرية الإسرائيلية، مشيرة إلى ارتفاع ملحوظ في احتمالية منح المستوى السياسي في تل أبيب الضوء الأخضر للجيش الإسرائيلي للبدء في تنفيذ عملية عسكرية برية وجوية واسعة النطاق وغير مسبوقة في لبنان.
وتستهدف هذه العملية المرتقبة، وفق القراءات الدبلوماسية الغربية، محور تلة علي الطاهر الاستراتيجية بالإضافة إلى كافة المرتفعات الجغرافية المحيطة بها، والتي تمتد جغرافيًا لتشمل مناطق الريحان والجرمق في عمق إقليم التفاح، وصولاً إلى مشارف ومرتفعات البقاع الغربي.
وتأتي هذه التحركات كجزء من خطة إسرائيلية شاملة تهدف بشكل أساس إلى تدمير البنية العسكرية، اللوجستية، الصاروخية، والعملياتية التي نجح حزب الله في تشييدها على مدى عقود في تلك المناطق، مما ينذر بتحول الجنوب اللبناني إلى ساحة حرب كسر عظم حقيقية تتشابك فيها الحسابات العسكرية الميدانية بالطموحات السياسية والانتخابية داخل إسرائيل.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال فصل التصعيد العسكري والخطط البرية المجهزة عن المشهد السياسي الداخلي المحتدم في إسرائيل، إذ تشير القراءات الدبلوماسية الغربية بوضوح إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يربط استمراره السياسي ومستقبل ائتلافه الحكومي بمدى قدرته على تحقيق إنجاز عسكري ملموس في لبنان.
وتؤكد المصادر الدبلوماسية الغربية في حديثها لـ"إرم نيوز"، أن نتنياهو مستعد تمامًا لخوض المعركة الانتخابية القادمة من فوق الأرض اللبنانية وتحت أزيز الطائرات ودوي الانفجارات إذا ما شعر بأي خطر حقيقي يهدد بخسارته للسلطة وسقوط حكومته.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن الائتلاف الحاكم في إسرائيل يتخذ من شعار استمرار الحرب ضد حزب الله وتدمير قدراته الهجومية مادة دعائية رئيسية لاستقطاب الشارع الإسرائيلي الغاضب، رافعًا وعودًا بتأمين الشريط الحدودي بشكل دائم، وهو ذات الشعار الذي يبرر به قادة إسرائيل القفز فوق التحذيرات الدولية من مغبة الانزلاق إلى حرب إقليمية مدمرة قد لا تُحمد عقباها وتأكل الأخضر واليابس.
وفي ضوء هذه التهديدات المتصاعدة، تفيد معلومات خاصة وموثوقة استُقيت من مصادر لبنانية واسعة الاطلاع ومقربة من مراكز القرار في بيروت، بأن الأيام القليلة الماضية شهدت تحولات تكتيكية بالغة الخطورة على أرض الواقع، حيث رصدت الأجهزة المعنية اللبنانية تكثيفًا غير مسبوق لعمليات الاستطلاع الجوي الإسرائيلي عبر أسراب متواصلة من الطائرات المسيرة ومنصات التجسس المتطورة التي لم تغادر أجواء إقليم التفاح والبقاع الغربي على مدار الساعة.
وتوضح المصادر اللبنانية في تصريح لـ"إرم نيوز" أن الطرف الإسرائيلي يعتمد حاليًا استراتيجية الحصار الشامل والإطباق الجوي المتكامل مترافقة مع استخدام تكتيكات كيميائية تمثلت في ضخ غازات صفراء شديدة الكثافة والسمية داخل شبكات الأنفاق التابعة لحزب الله في تلة علي الطاهر لسدها وخنق المتحصنين بداخلها لدفعهم نحو الاستسلام.
وتعتبر المصادر اللبنانية أن هذا التطور الميداني الخطير يمثل تمهيداً لوجيستياً صريحاً وتطهيراً للأرض تمهيداً لشن غارات جوية تصعيدية تشارك فيها قاذفات ثقيلة بالتزامن مع محاولات تقدم بري عبر المحاور الجبلية الوعرة.
من جانبه، يرى المحلل السياسي جمعة سليمان النسعة، أن طبيعة الأرض في محور تلة علي الطاهر وإقليم التفاح تفرض تعقيدات بالغة الحساسية تجعل من أي مغامرة برية إسرائيلية بمثابة انتحار عسكري محتم أو جحيم مرتقب للقوات المتقدمة.
ويوضح في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن تصريحات نتنياهو قبل يومين، والتي أشار فيها بوضوح إلى أن الجيش يقوم بعمليات خاصة ونوعية في الجنوب اللبناني دون الخوض في تفاصيلها، لم تكن سوى محاولة سياسية لتهيئة الرأي العام الداخلي والخارجي لعمليات التسلل والاستطلاع بالنار التي تنفذها وحدات النخبة الإسرائيلية.
ويشير إلى أن هذه العمليات الميدانية الخاطفة تهدف إلى فحص الجاهزية الدفاعية للمتحصنين داخل تلة علي الطاهر واكتشاف الثغرات في الخطوط الأمامية قبل الانطلاق في الهجوم الكبير والواسع.
"الخيارات الصفرية" وتوريط واشنطن
ويتضح من خلال المعطيات السابقة، أن بنيامين نتنياهو يواجه مأزقاً في الداخل الإسرائيلي يدفعه بشكل حثيث نحو تبني "الخيارات الصفرية" أو ما يُعرف في القواميس السياسية بـ"الخيار الشمشوني"؛ إذ بات يرى في هندسة الدمار وتوسيع رقعة الحرب الملاذ الأخير والأوحد للإفلات من المقاضاة في ملفات الفساد التي تلاحقه.
ويبدو قرار نقل الثقل العسكري الإسرائيلي نحو الجبهة الشمالية، ووضع إقليم التفاح والبقاع الغربي في دائرة الاستهداف المباشر، مناورة واضحة لخلط الأوراق الإقليمية والدولية؛ والهدف منها هو وضع الإدارة الأمريكية أمام أمر واقع يجبرهم على تقديم غطاء سياسي ودعم عسكري غير محدود لإسرائيل، عبر الترويج لذرائع حماية الوجود في مواجهة القدرات الصاروخية المتنامية لحزب الله.