إنترنت لبنان... إلى متى تبقى معاناة المواطن بلا حل؟
لم يعد ضعف الإنترنت في لبنان مشكلة تقنية عابرة يمكن التعامل معها كعطل تقني ونمضي.
فقد أصبح واقعاً يومياً يفرض نفسه على المواطنين، في وقت بات فيه الإنترنت جزءاً أساسياً من العمل والدراسة والإعلام والتجارة والتواصل.
المشكلة أن الخدمة لا تواكب حجم اعتماد الناس عليها.
فالجيل الرابع الذي يفترض أن يؤمّن اتصالاً سريعاً وموثوقاً، يعاني في أوقات كثيرة من بطء واضح يجعل أبسط استخدام للإنترنت معاناة بحد ذاتها.
تحميل فيديو، إرسال صورة، رفع ملف أو نشر خبر في وقته، كلها أمور يفترض ألا تتحول إلى رحلة انتظار في عام 2026.
والإنترنت لم يعد خدمة ترفيهية أو كلفة يمكن الاستغناء عنها، بل أصبح حاجة أساسية وكلفة شهرية تضاف إلى أعباء معيشية كبيرة.
ومن هنا يبرز السؤال المشروع: هل يحصل المواطن فعلاً على الخدمة التي يدفع ثمنها؟
لكن فهم المشكلة يتطلب أيضاً التوقف عند الأسباب التي تقف خلف هذا الضعف، لأن واقع الإنترنت لا يرتبط بعامل واحد.
فجزء من المشكلة يعود إلى البنية التحتية القديمة، ولا سيما شبكة الاتصالات التقليدية التي لا تزال مستخدمة في عدد كبير من الخطوط.
ومع مرور السنوات تتعرض هذه الشبكات للاهتراء والأضرار، كما يمكن أن تتأثر بأعمال الحفر وتمديد شبكات المياه والكهرباء وصيانة الطرق وغيرها من الأشغال، ما يجعل بعض أجزائها بحاجة إلى صيانة أو إعادة تأهيل.
كذلك تؤثر المسافة بين المشترك ومركز الاتصالات في جودة الخدمة.
فكلما ابتعد الخط عن مركز التوزيع، تراجعت قدرته على تقديم السرعة والاستقرار المطلوبين.
وهذا يفسر جانباً من التفاوت الذي يلمسه المواطن بين منطقة وأخرى، وحتى بين مشترك وآخر.
وفي بعض الحالات قد لا يكون الخلل في الشبكة الخارجية أساساً، بل في التمديدات داخل الأبنية، سواء بسبب قدم الكابلات أو الرطوبة، أو مشكلة في الخط الممتد من نقطة دخول الخدمة إلى منزل المشترك.
لذلك فإن تحديد سبب ضعف الاتصال يتطلب النظر إلى مسار الخدمة كاملاً، لا إلى نقطة واحدة فقط.
لكن هذه الأسباب التقنية على أهميتها، لا يجب أن تتحول إلى مبرر دائم لاستمرار المشكلة.
فالمسؤولية الأساسية عن قطاع الاتصالات وتطوير بنيته التحتية تقع على عاتق الدولة والجهات المعنية.
والمطلوب ليس فقط إصلاح الأعطال عند وقوعها، بل الانتقال من معالجة المشكلات اليومية إلى بناء شبكة قادرة على تلبية حاجات اللبنانيين لسنوات مقبلة.
وهنا يأتي دور الألياف الضوئية أو الفايبر، باعتبارها أحد أهم الحلول لتطوير الشبكة وتحسين سرعة الاتصال واستقراره. وكلما توسعت هذه البنية الحديثة واقتربت من الأبنية والمشتركين، أصبح الانتقال إليها أكثر سهولة، وانعكس ذلك مباشرة على جودة الخدمة.
وقد تأخرت بعض مشاريع تطوير هذه الشبكة نتيجة الظروف الاستثنائية التي مر بها لبنان، ما أدى إلى إرجاء تنفيذ أعمال كان يفترض أن تسهم في تحسين الخدمة.
لكن التأخير مهما كانت أسبابه، لا يمكن أن يبقى مفتوحاً إلى ما لا نهاية، لأن حاجة المواطن إلى الإنترنت لا تتوقف.
أما الحديث عن الانتقال إلى الجيل الخامس، فيطرح سؤالاً أكثر إلحاحاً: كيف ننتقل إلى تقنيات أحدث، فيما لا تزال أجزاء من البنية التحتية بحاجة إلى تطوير وتأهيل؟
لا أحد يعترض على التطور بل على العكس، المطلوب أن يتقدم قطاع الاتصالات وأن تواكب خدماته التطور التكنولوجي.
لكن التطوير الحقيقي لا يكون بإضافة تقنية جديدة فقط، بل يبدأ من الأساس: بنية تحتية حديثة، صيانة مستمرة، وتوسّع فعلي في الشبكات المتطورة، بما يضمن أن يصل التطور إلى المواطن لا أن يبقى عنواناً على الورق.
وفي صيدا كما في مختلف المناطق اللبنانية، لا يريد الناس وعوداً جديدة بقدر ما يريدون تحسناً حقيقياً وملموساً.
المواطن لا يهمه في النهاية إن كان سبب البطء خللاً في الشبكة، أو مسافة عن مركز الاتصالات، أو مشكلة في تمديدات البناء، أو تأخر وصول الشبكات الحديثة.
هو يريد أن يفتح هاتفه أو حاسوبه ويجد خدمة مستقرة يمكنه الاعتماد عليها في عمله ودراسته وحياته اليومية.
من هنا فإن السؤال إلى معالي وزير الاتصالات ليس فقط: لماذا يضعف الإنترنت؟
السؤال الأهم هو: ما هي الخطة لمعالجة هذه الأسباب؟
ومتى سيتمكن المواطن من لمس نتائجها فعلياً؟
فالإنترنت أصبح من أساسيات الحياة، والمواطن الذي يدفع كلفته بانتظام لا يطلب المستحيل، بل يطلب خدمة مستقرة وموثوقة تتناسب مع ما يدفعه، ومع الدور الذي أصبح الاتصال بالإنترنت يؤديه في حياته.
قد تتغير التقنيات وقد ينتقل لبنان تدريجياً إلى شبكات أكثر تطوراً، وقد تدخل تقنيات أحدث إلى سوق الاتصالات، لكن المعيار الحقيقي يبقى واحداً: هل يشعر المواطن بتحسن فعلي في الخدمة؟
المطلوب اليوم ليس تبريراً جديداً، ولا إلقاء المسؤولية بين جهة وأخرى، بل قرار واضح وخطة قابلة للتنفيذ ومتابعة جدية، ونتيجة يلمسها المواطن.
فمن حق المواطن أن يعرف: متى ينتهي زمن الانتظار، ومتى يصبح الإنترنت في لبنان خدمة يعتمد عليها، لا مشكلة يومية يتعايش معها؟