عندما تتحوّل النفايات إلى اختبار للدولة
عشر سنوات مرّت على أزمة النفايات التي هزّت لبنان، وعشر سنوات تبدّلت خلالها الخطط والعناوين والوزارات، فيما بقي السؤال نفسه يعود كل مرة وكأن البلاد تدور في الحلقة ذاتها: ماذا نفعل بنفاياتنا؟
تغيّرت الحكومات وتغيّر وزراء البيئة، وظهرت استراتيجيات وقوانين ومراسيم، وتكرّرت عبارات الفرز من المصدر وإعادة التدوير، والإدارة المتكاملة واللامركزية والملوّث يدفع.
لكن النفايات في المقابل لم تنتظر اكتمال أي استراتيجية.
فهي تُنتج كل يوم وتحتاج إلى جمع ونقل وفرز ومعالجة وتمويل، سواء كانت المؤسسات الرسمية جاهزة أم لا.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية.
في لبنان يبدو أحياناً أن الخطة أصبحت أهم من تنفيذها، والقانون أهم من تطبيقه، والاستراتيجية أهم من تحويلها إلى واقع.
نضع الإطار ثم ننتظر.
نقر القانون ثم ننتظر.
نحدّد المسؤوليات ثم نختلف على من يبدأ أولاً.
وفي الوقت نفسه تستمر النفايات في إنتاج أزمتها اليومية.
لكن ملف النفايات ليس ملفاً إدارياً عابراً.
إنه من أكثر الملفات التي تكشف قدرة الدولة على إدارة مواردها ومؤسساتها، وعلى التوفيق بين القانون والمصلحة العامة.
من هنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
ماذا فعلنا بالمرافق التي أنشئت أصلاً لمعالجة النفايات؟
وهل تعاملنا معها باعتبارها جزء من الحل أم تركناها عالقة بين الحسابات السياسية والإدارية والمالية؟
وفي صيدا يشكّل معمل معالجة النفايات المنزلية الصلبة إحدى حلقات هذا الملف، وسط نقاش حول أدائه ودوره ومسؤوليات الجهات المعنية به.
لكن هذا النقاش يعيدنا إلى السؤال الأساسي:
كيف يمكن ضمان إدارة منشآت معالجة النفايات بكفاءة وشفافية ضمن إطار قانوني واضح وآليات ثابتة للتمويل والرقابة والمساءلة؟
فهذا القطاع لا يحتمل الحلول المؤقتة ولا القرارات المتقطعة، بل يحتاج إلى إدارة واضحة وتمويل مستدام ورقابة تضمن حسن سير العمل، بما يحفظ المصلحة العامة.
وإذا كانت الدولة قد بدأت أخيراً في بناء منظومة مالية جديدة لإدارة النفايات، مع رسوم بيئية يفترض أن تؤمّن مصدر تمويل مخصص للقطاع، فإن الاختبار الحقيقي لا يكمن في تحصيل الأموال فقط.
الاختبار يبدأ عندما تصل هذه الأموال إلى المكان الذي يفترض أن تُصرف فيه، وعندما يصبح التمويل جزء من منظومة واضحة ومستدامة، لا حلاً مؤقتاً لأزمة جديدة.
فالمنشآت لا تستطيع أن تعمل بالوعود، والعمال لا يتقاضون أجورهم بالاستراتيجيات، وصيانة المعدات لا تُنجز بالمراسيم، والنفايات لا تختفي بمجرد إعلان خطة جديدة.
ثمّة مسؤوليات يجب أن تكون معروفة.
من يموّل ومن يراقب؟
من يقرّر ومن يحاسب؟
ومن يتحمّل مسؤولية استمرار منشأة أو تعثرها؟
هذه الأسئلة لا تستهدف مؤسسة بعينها، بل تستهدف طريقة إدارة الدولة لهذا الملف منذ سنوات.
لقد أثبتت أزمة النفايات أن المشكلة ليست في غياب الأفكار.
لبنان لم يفتقر إلى الخطط وربما لم يفتقر حتى إلى القوانين. المشكلة الأكثر عمقاً كانت دائماً في المسافة بين النص والواقع، وبين القرار والتنفيذ، وبين المسؤولية السياسية والمسؤولية الإدارية.
والأخطر أن هذه المسافة تُدفع كلفتها من أموال الناس ومن صحة الناس ومن صورة المدن والبلدات.
اليوم مع الحديث عن رسوم بيئية جديدة، وهيئة وطنية لإدارة النفايات الصلبة، وقوانين تعيد توزيع المسؤوليات وتفتح الباب أمام إدارة أكثر لامركزية، تبدو الفرصة متاحة لإعادة بناء الملف على أسس مختلفة.
لكن نجاح المرحلة المقبلة لن يُقاس بعدد الاجتماعات ولا بعدد القوانين التي ستصدر، بل بعدد الأطنان التي ستصل إلى معالجة سليمة، وبعدد المنشآت التي ستعمل بكفاءة، وبقدرة الدولة على تأمين تمويل مستدام، وبمدى التزام الجميع بالقانون نفسه.
ولعل أهم ما يجب أن نتعلّمه من السنوات العشر الماضية هو أن الدولة لا تحتاج في كل مرة إلى البدء من الصفر.
لديها منشآت وتجارب وخبرات وأشخاص ومؤسسات راكموا خبرة في هذا القطاع.
المطلوب ليس إلغاء ما سبق لمجرد أنه سبق، بل تقييمه بموضوعية.
ما الذي نجح؟
أين تعثّر التنفيذ؟
وما الذي يمكن تطويره؟
فالنجاح في إدارة النفايات لا يحتاج إلى اختراع العجلة من جديد، بل إلى تنظيم ما هو قائم أصلاً وربط أجزائه ضمن منظومة واحدة متكاملة.
وقد يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: ما هي الخطة الجديدة؟
بل: هل سنملك هذه المرة القدرة على تنفيذها؟
لأن النفايات لا تعترف بتأجيل القرارات ولا تنتظر تبدّل الحكومات، ولا تمنح الخطط التي تبقى على الورق وقتاً إضافياً.
إنها تتراكم.
ومعها تتراكم مسؤولية الدولة.