السيارة لم تعد وسيلة نقل... فاتورة 6 مليار دولار تُثقل كاهل اللبنانيين!
ليس تفصيلا أن يبلغ سعر صفيحة البنزين 31 دولار في لبنان، وهو مرشّح للإرتفاع مع إستمرار التوترات السياسية والامنية في منطقة الخليج. فهذا السعر له إرتدادات كبيرة على يوميات اللبنانيين، في تنقلاتهم ومأكلهم والخدمات التي يحتاجونها للعيش على حافة "الفقر المتعدد الأبعاد"، الذي حلّ بهم منذ الإنهيار المالي في ال2019.
إذا في لبنان، و بسبب الارتفاع المستمر في أسعار المحروقات، لم تعد السيارة مجرد وسيلة نقل، بل تحوّلت بالنسبة إلى كثيرين إلى عبء مالي يومي. لأن الاعتماد عليها يعني فاتورة نقل مرتفعة وضغط على الأسر والاقتصاد في غياب نقل عام فعّال. ولا تقتصر كلفة السيارة في لبنان على سعر شرائها أو كلفة تعبئتها بالوقود، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من النفقات المباشرة وغير المباشرة التي تتحملها الأسر والاقتصاد الوطني.
بحسب الخبراء تُقدّر الكلفة الاقتصادية المرتبطة بالسيارات في لبنان بنحو 6 مليارات دولار سنوياً. ويشمل هذا الرقم مجموعة من البنود، أبرزها استيراد السيارات وقطع الغيار، والصيانة والتصليح، والتأمين، والوقود، إضافة إلى مجموعة من التكاليف غير المباشرة.
وفي تقسيم لهذه الكلفة هناك نحو 1.7 مليار دولار، قيمة الإنفاق المرتبط بإستيراد السيارات وقطع الغيار وما يتصل بها، فيما تُقدّر كلفة الصيانة والخدمات والتصليحات بنحو 600 مليون دولار سنوياً، وتبلغ كلفة التأمين نحو 300 مليون دولار.
أما الوقود، فيمثل أحد أكبر مكونات هذه الفاتورة، إذ تُقدّر كلفة البنزين بنحو 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنوياً، وفقا للأسعار التي وصلت إليها المحروقات حاليا، ويُضاف إليها تكاليف إقتصادية غير مباشرة مرتبطة بالإزدحام المروري، وإستهلاك الوقت، وحوادث السير، والتلوث، ومواقف السيارات، وغيرها من الأعباء التي يتحملها الأفراد والإقتصاد.
لكن من المهم اقتصادياً التمييز بين «الكلفة الإجمالية» وبين «النزيف الصافي للعملات الأجنبية». فليس كل ما يُنفق على السيارات يمثل خروجاً للدولارات من لبنان، إذ يشمل جزء من هذه النفقات أجوراً وخدمات وإيرادات تُدفع داخل الاقتصاد المحلي، إضافة إلى الضرائب والرسوم. في المقابل، يمثل استيراد السيارات وقطع الغيار والمحروقات جزءاً من الطلب على العملات الأجنبية، ما يجعل قطاع النقل مرتبطاً بصورة مباشرة بميزان المدفوعات وحركة الاستيراد.
وتبرز هنا أهمية تطوير النقل العام، ليس فقط بإعتباره خدمة اجتماعية، بل أيضاً كأداة اقتصادية يمكن أن تساعد على خفض كلفة التنقل، وتقليل إستهلاك الوقود، والحد من الإزدحام والتلوث، وتخفيف الحاجة إلى امتلاك واستخدام السيارات الخاصة.
وبحسب الخبراء، فإن تطوير منظومة نقل عام فعّالة وشاملة يمكن أن يساهم في خفض جزء كبير من هذه الكلفة، ففي بلد يعاني من ضغوط إقتصادية ومالية وارتفاع في كلفة المعيشة، يصبح إصلاح قطاع النقل جزءاً من السياسة الاقتصادية، وليس مجرد مشروع خدماتي. فكلما توسعت خيارات النقل العام الآمنة والمنتظمة والميسّرة، تراجعت حاجة المواطنين إلى الاعتماد الكامل على سياراتهم، وانخفضت بالتالي مجموعة من النفقات التي تثقل كاهل الأسر والاقتصاد.