اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

نحو 10 دولارات للخزينة على كل صفيحة بنزين... ماذا تفعل الحكومة إذا ارتفعت الأسعار أكثر؟

صيدا اون لاين

لم يعد ​ارتفاع أسعار المحروقات​ في ​لبنان​ مرتبطًا فقط بما يحدث في أسواق النفط العالمية. فبين السعر الذي تُشترى به المشتقات النفطية والسعر الذي يدفعه اللبناني عند محطة الوقود، تدخل مجموعة من ​الضرائب والرسوم​ التي تجعل من كل صفيحة بنزين أيضًا موردًا للخزينة. ومع عودة المخاوف من ارتفاع أكبر في ​أسعار الطاقة​ عالميًا، يبرز سؤال أساسي: إذا واصلت الأسعار صعودها، هل تملك الحكومة أدوات لتخفيف الصدمة عن المستهلك، أم أن الارتفاع سينتقل مباشرة إلى سعر الصفيحة؟

 

وبحسب مصادر متابعة لملف المحروقات تحدثت إلى "النشرة"، تصل حصة الخزينة من كل صفيحة بنزين، من خلال الضرائب والرسوم المفروضة عليها، إلى نحو 10 دولارات. وتكتسب هذه الحصة أهمية أكبر بعدما قررت الحكومة في شباط الماضي فرض رسم إضافي بقيمة 300 ألف ليرة على كل 20 ليتر، بالتوازي مع زيادة نقطة مئوية على الضريبة على القيمة المضافة، ضمن إجراءات هدفت إلى تمويل الزيادات المقررة للقطاع العام والعسكريين.

وهنا تختلف المسألة عن مجرد احتساب ارتفاع سعر البنزين عالميًا وانعكاسه محليًا. فحين تتعرض الأسواق الخارجية لصدمة سعريّة، يتحمل المستهلك اللبناني ارتفاع كلفة المشتقات المستوردة، فيما تبقى فوقها الأعباء المحلية. ومع وصول حصة الخزينة، وفق المصادر، إلى نحو 10 دولارات للصفيحة، يصبح السؤال عن السياسة التي ستعتمدها الدولة إذا ارتفعت الأسعار أكثر مشروعًا، خصوصًا أن البنزين لا يشكل مجرد سلعة استهلاكية، بل يدخل ارتفاع سعره في كلفة النقل والسلع والخدمات.
هل هناك هامش للتدخل؟
تعتمد آلية تسعير المحروقات في لبنان على مجموعة عناصر، بعضها خارجي مرتبط بأسعار المشتقات النفطية في الأسواق العالمية، وبعضها داخلي يشمل الضرائب والرسوم والكلف والعمولات. وبالتالي فإن الحكومة لا تستطيع التحكم بسعر المادة في الأسواق الدولية، لكنها تملك هامشًا في بعض المكونات المحلية التي تدخل في السعر النهائي.

ومن هنا تطرح المصادر مسألة حجم الإيرادات التي تحصل عليها الخزينة من المحروقات، خصوصًا إذا دخلت الأسواق مرحلة جديدة من الارتفاعات. فهل يمكن، عند تجاوز الأسعار مستويات معينة، تخفيض جزء من الأعباء التي تحصل عليها الخزينة بصورة منقتة لامتصاص قسم من الصدمة؟

الإجابة ليست بسيطة. فهذه الإيرادات أصبحت جزءًا من الموارد فقد اعتادت الحكومة أن تمدّ يدها الى جيب المواطن، وأي خفض لها ستكون له انعكاسات على المالية العامة، ولا سيما أن الزيادة الأخيرة على البنزين ارتبطت مباشرة بتمويل نفقات إضافية. لكن في المقابل، فإن تحميل المستهلك كامل الزيادة العالمية مع إبقاء الأعباء المحلية من دون تغيير يعني انتقال كلفة الطاقة المرتفعة إلى قطاعات أخرى في الاقتصاد.

لذلك لا تنحصر المسألة في الاختيار بين خفض الضرائب والرسوم أو إبقائها، بل في ما إذا كانت لدى الحكومة سياسة تسمح لها بالتعامل مع الصدمات النفطيّة من دون أن يكون جدول الأسعار الأسبوعي أداتها الوحيدة.
المطلوب مخزون استراتيجي
هنا يطرح الخبير الاقتصادي ​جاسم عجاقة​ مقاربة مختلفة. فبرأيه، المطلوب ألا يقتصر تحرك الحكومة على السعر بعد وقوع الأزمة، وإنما أن تمتلك مسبقًا أدوات تسمح لها بمواجهة الاضطرابات في الأسعار والإمدادات.

ويشدد عجاقة، في حديث لـ"النشرة"، على ضرورة أن يكون لدى الحكومة مخزون استراتيجي من المحروقات يعود إلى الدولة وليس إلى الشركات، بحيث يمكن اللجوء إليه عند حصول اضطرابات مفاجئة في الأسواق أو الإمدادات، ويسمح بتفادي المفاجآت والقفزات الحادة التي قد تصيب الأسعار.

ولا يعني إنشاء مخزون استراتيجي أن تتدخل الدولة بصورة دائمة في السوق أو تحل مكان الشركات المستوردة، بل أن تحتفظ بكميات مخصصة للظروف الاستثنائية. وهنا تصبح المسألة مرتبطة بقدرتها على تحديد حجم المخزون المطلوب، وطريقة تمويله وإدارته وتجديده، والمدة التي يفترض أن يغطيها عند حصول أزمة.
التحوط قبل أن ترتفع الأسعار
ولا يحصر عجاقة الحل بالتخزين. فهو يدعو الحكومة أيضًا إلى الاستفادة من الأدوات الموجودة في الأسواق الماليّة، وتحديدًا العقود الآجلة والخيارات، بهدف التحوط من تقلبات أسعار الطاقة.

وتقوم الفكرة، بصورة مبسطة، على ألا تبقى الدولة أو الجهات المعنية بتأمين حاجات السوق مكشوفة بالكامل أمام السعر الذي تفرضه الأسواق لحظة وقوع الأزمة، بل استخدام أدوات مالية تسمح بإدارة جزء من مخاطر تقلب الأسعار مسبقًا.

لكن اعتماد مثل هذه الأدوات يتطلب، بطبيعة الحال، إطارًا واضحًا لإدارة المخاطر والرقابة والشفافية، لأن التحوّط لا يعني ضمان شراء الوقود دائمًا بسعر أقل، بل تقليل درجة التعرض للتقلبات الحادة وفق الآلية والعقود المعتمدة.

خزانات استراتيجية بعيدًا من نقاط الخطر
أما الركن الثالث في طرح عجاقة فيرتبط بالبنية التحتية. فهو يرى ضرورة بناء خزانات مخصصة للمخزون الاستراتيجي، وألا تكون جميعها محصورة على الشاطئ، بحيث لا يصبح الاحتياط النفطي نفسه معرضًا للخطر في حال حصول اضطرابات أمنية أو عسكرية تطال المنشآت الساحلية.

ويفترض، وفق هذه المقاربة، أن تكون هذه الخزانات مخصصة للاحتياط وامتصاص الصدمات، لا للاستهلاك الاعتيادي للسوق. وبذلك تصبح لدى الدولة قدرة فعلية على التدخل لفترة محددة إذا تعطل الاستيراد أو حصل نقص مفاجئ في الكميات، بدلًا من أن يكون أمن المحروقات مرتبطًا حصرًا بالمخزون التجاري الموجود لدى الشركات.

من جباية الـ10 دولارات إلى سياسة للطاقة
في المحصلة، لا تستطيع ​الحكومة اللبنانية​ خفض سعر النفط العالمي، ولا التحكم بالأحداث التي تهدد طرق الإمداد أو بقرارات المصافي في الخارج. لكنها تستطيع تحديد الطريقة التي تستعد بها لوصول الصدمة إلى لبنان.
وهنا تكتسب مسألة الـ10 دولارات التي تدخل، وفق المصادر، إلى الخزينة من كل صفيحة بعدًا يتجاوز النقاش الضريبي وحده. فالسؤال ليس فقط ما إذا كان يمكن التخلي عن جزء منها عندما ترتفع الأسعار، بل أيضًا ماذا تفعل الدولة بهذه الإيرادات، وما إذا كان ممكنًا أن يقابل جزء من الجباية بناء أدوات لحماية السوق والمستهلك من الأزمات المقبلة.

بين إعادة النظر الموقتة ببعض الأعباء عند القفزات الاستثنائية، وإنشاء مخزون استراتيجي، وتطوير القدرة التخزينية، ودراسة أدوات التحوط المالي، توجد خيارات تحتاج إلى قرار وسياسة واضحة قبل وقوع الأزمة.

ومع احتمال تعرض أسواق الطاقة لمزيد من التقلبات، يصبح السؤال أمام الحكومة أكثر إلحاحًا: إذا كانت الخزينة تحصل على نحو 10 دولارات من كل صفيحة بنزين، فهل يبقى دورها عند ارتفاع الأسعار إصدار جدول جديد فقط، أم أن الوقت حان لاستخدام جزء من هامشها وأدواتها لحماية السوق من الصدمة المقبلة؟

تم نسخ الرابط