3 سيناريوهات لمستقبل لبنان
في بلدٍ لا تزال أزمته الماليّة تُلقي بثقلها على مختلف القطاعات، وتواجه مصارفه صعوبات في استعادة علاقاتها «الطبيعيّة» مع الخارج، يُشكّل استمرار إدراج لبنان على اللائحة الرماديّة لمجموعة العمل المالي تحدّياً إضافياً لاقتصاده. فالتصنيف الذي يفرض رقابة مشدّدة على المعاملات الماليّة يطرح تساؤلات حول قدرة لبنان على استكمال الإصلاحات المطلوبة والوفاء بالتزاماته الدوليّة. فإلى متى سيبقى لبنان على اللائحة الرماديّة؟
يرى الخبير الاقتصادي جاسم عجّاقة، في حديث إلى موقع MTV، أنّ «لبنان يميل حالياً إلى البقاء ضمن اللائحة الرماديّة، مستبعداً أن يكون الانتقال إلى اللائحة السوداء خطراً وشيكاً، لكنه يحذّر في المقابل من تراجع فرص الخروج السريع من هذه القائمة، نتيجة الجمود في تنفيذ الإصلاحات وتحقيق النتائج العمليّة التي تطلبها مجموعة العمل المالي».
ويوضح عجّاقة أنّ «التحدّي الأساسي الذي يواجه لبنان لا يقتصر على إقرار القوانين والتشريعات، بل يتمثّل في إثبات فعاليّة تطبيقها وتحقيق نتائج ملموسة، ولا سيّما على المستويين القضائي والرقابي. وفي هذا السياق، تبرز مجموعة من الإصلاحات التي لا يزال لبنان مطالباً باستكمالها، أبرزها الحدّ من الاقتصاد النقدي، الذي تتجاوز معاملاته 45% من الناتج المحلي الإجمالي، لما يشكّله من صعوبة في تتبّع الأموال والتحقّق من مصادرها».
ويضيف: «كذلك، تبرز الحاجة إلى إنشاء قاعدة بيانات موثوقة للمستفيدين الحقيقيين، بما يسمح بكشف سلاسل الملكيّة والهياكل المؤسّسية المعقّدة، إلى جانب تعزيز الملاحقات القضائيّة في جرائم غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وعدم الاكتفاء بإجراءات التجميد الإداري. وتشمل المتطلّبات أيضاً التطبيق الفعّال وفي الوقت المناسب للعقوبات الماليّة المستهدفة الصادرة عن مجلس الأمن، فضلاً عن تعزيز الرقابة على القطاع المالي غير المصرفي، ولا سيّما مكاتب الصرافة وشركات تحويل الأموال وتجارة المعادن الثمينة».
المواطن والمستثمر والمصارف في دائرة «الخطر»
ويشير إلى أنّ «تداعيات استمرار لبنان على اللائحة الرماديّة لا تقتصر على التصنيف الدولي، بل تمتدّ إلى مختلف جوانب النشاط الاقتصادي. فعلى مستوى المواطنين، تؤدّي إجراءات التدقيق والعناية الواجبة المعزّزة إلى زيادة كلفة التحويلات الماليّة وتأخير وصول الأموال، كما تنعكس تكاليف تمويل التجارة والامتثال الإضافيّة على أسعار السلع المستوردة، بما فيها المواد الغذائيّة والأدوية»، مضيفاً: «أمّا المستثمرون، فيواجهون ارتفاعاً في علاوة مخاطر الاستثمار في لبنان، فضلاً عن قيود قد تحدّ من قدرة بعض المؤسّسات الاستثماريّة الدوليّة على ضخّ أموالها في اقتصاد مصنّف ضمن اللائحة الرماديّة».
وفي القطاع المصرفي، تتجلّى، بحسب عجّاقة، التداعيات بصورة أكبر، من خلال انكماش علاقات المراسلة المصرفيّة، مع اتجاه المصارف الأجنبيّة إلى تقليص انكشافها على المخاطر اللبنانيّة. ويؤدّي ذلك إلى تراجع قنوات المقاصّة المتاحة لإجراء المعاملات بالدولار واليورو، فضلاً عن ارتفاع متطلّبات الضمانات النقديّة، التي قد تصل إلى 100% أو أكثر في بعض العمليات المرتبطة بتمويل التجارة الخارجيّة.
السيناريوهات المحتملة
ويشدّد عجّاقة على أنّ «الهيئة العامة لمجموعة العمل المالي تجتمع ثلاث مرات سنوياً، في شباط وحزيران وتشرين الأول، فيما يخضع التقدّم اللبناني في تنفيذ خطة العمل لتقييمات فنيّة تسبق اجتماعاتها. وبالتالي، تبقى قدرة لبنان على إظهار نتائج فعليّة في الإصلاحات المطلوبة عاملاً أساسياً في تحديد مسار تصنيفه».
وفي هذا الإطار، يطرح عجّاقة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل لبنان.
يتمثّل الأول، وهو الأكثر احتمالاً، في استمرار بقائه على اللائحة الرماديّة، نتيجة تحقيق امتثال فنّي جزئي من دون إحراز تقدّم كافٍ على مستوى التنفيذ القضائي، ما يعني استمرار التأخيرات في المقاصّة، وارتفاع تكاليف الامتثال، وتراجع ثقة المصارف الدوليّة.
أمّا السيناريو الثاني، فيتمثّل في صدور موقف تصعيدي من مجموعة العمل المالي بسبب استمرار الثغرات في الرقابة على الاقتصاد النقدي أو في تطبيق قوانين مكافحة تمويل الإرهاب، الأمر الذي قد يدفع المصارف الدوليّة إلى تشديد إجراءات العناية الواجبة على المعاملات اللبنانيّة.
أمّا السيناريو الثالث، فيتمثّل في الانتقال إلى اللائحة السوداء، نتيجة عدم تعاون المؤسّسات أو وجود تدفّقات غير خاضعة للرقابة مرتبطة بتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل. ويحمل هذا الاحتمال تداعيات بالغة الخطورة على الاقتصاد اللبناني، من بينها تشديد العزلة الماليّة والتجاريّة، وتراجع قيمة العملة، والحدّ من إمكانيّة الوصول إلى شبكات المدفوعات الدوليّة.
إلّا أنّ عجّاقة يعتبر هذا السيناريو قليل الاحتمال في المرحلة القريبة، في ضوء استمرار التواصل الفنّي بين مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصّة ومجموعة العمل المالي، فضلاً عن الاعتبارات السياسيّة والإقليميّة المرتبطة بالحفاظ على مؤسّسات الدولة اللبنانيّة.
بين البقاء على اللائحة الرماديّة، وتشديد الرقابة، واحتمال الانتقال إلى اللائحة السوداء، يبقى لبنان أمام ثلاثة سيناريوهات مفتوحة. فهل ينجح في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة واستعادة ثقة المجتمع المالي الدولي؟ أم يستمرّ في دائرة الجمود؟ أم يواجه تصعيداً ماليّاً ومصرفيّاً أكبر؟