"مونجارو" و"أوزمبيك" وأدوية سرطان.. تحقيق يلاحق سوقاً سوداء عبر مطار بيروت
حقائب سفر محمّلة بأدوية سرطان وحقن "مونجارو" و"أوزمبيك"، وأرقام هواتف مسجلة تحت اسم “DAWA”، ووصفات طبية قيل إنها أُرسلت من مصر لتقديمها إلى الجمارك. هكذا بدأت تتكشف خيوط ملف تهريب أدوية عبر مطار بيروت، تتقاطع فيه أسماء من لبنان وسوريا ومصر، وامتدت اتصالاته، بحسب التحقيقات، إلى الأردن والسعودية وتركيا.
وفي الهواتف أيضاً، محادثات قال أصحابها إنهم مسحوها عند توقيفهم، لكن التحقيقات كشفت تحويلات مالية بآلاف الدولارات من أشخاص مطلوبين بجرم تهريب الأدوية. وعلى هذه المعطيات، ادعى المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان، القاضي بلال حلاوي، على خمسة أشخاص، بينهم سوريان موقوفان، ومصريان متواريان عن الأنظار، ولبناني تُرك رهن التحقيق لقاء كفالة قدرها خمسة آلاف دولار، وأحال الملف إلى قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان، القاضية ندى الأسمر.
ووجّه الادعاء إليهم شبهات تهريب أدوية ومخالفة قانون الجمارك والتهرب الضريبي ومخالفة الأنظمة، استناداً إلى المرسوم 156/83، وقانون الصيدلة رقم 367/94، وقانون العقوبات، وقانون الجمارك رقم 4461. وطلب إجراء التحقيقات وتوقيف المدعى عليهم وإصدار المذكرات اللازمة بحقهم.
وتضم لائحة المدعى عليهم السوريين عبد الرحمن فيصل قاضي، الموقوف، وزكريا علي فارس، الموقوف أيضاً. أما المصريان محمد أحمد عبد المغازي أحمد الموجي ومحمد أحمد محمد أحمد السنطاوي، فمتواريان عن الأنظار، فيما تُرك اللبناني حسام علي العرب رهن التحقيق لقاء الكفالة.
من حقيبة زكريا إلى أدوية السرطان
بدأت القضية ببرقية من غرفة عمليات الجمارك، بناءً على ضبط نظمته مفرزة جمارك دائرة المسافرين والسوق الحرة في مطار بيروت في 16 تشرين الأول 2026. وبإشارة من النائب العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، سُلّم زكريا فارس مع المضبوطات إلى مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال.
وأفاد فارس، المولود عام 2001، بأنه كان يحمل نحو كيلوغرام وثلاثمئة غرام من أدوية الطب البشري، وأن الشخص الذي سلّمه الأدوية موجود في مصر، حيث وصلته عبر خدمة توصيل من صيدلية. وقال إنه أحضر دواءً للسرطان لشخص، وإنه سبق أن نقل أدوية إلى أشخاص في سوريا، موضحاً أنها أدوية شخصية كان يسلّمها إلى سائق تاكسي لنقلها إلى هناك.
وعندما واجهه المحققون بأسماء مسجلة على هاتفه إلى جانب كلمة “دواء”، قال إنه يتعامل مع أصحابها لنقل أدوية من مصر إلى سوريا ولبنان. ونفى معرفته بالمدعى عليهم الآخرين، مؤكداً أنه يلتزم بما يقرره القضاء.
وفي مسار التحقيق نفسه، استمع المحققون إلى عدنان أحمد القبلان، وهو سوري من سكان درعا، بعدما أوقفته الجمارك وبحوزته نحو كيلوغرام من الأدوية. وقال إنه كان عائداً من مصر إلى لبنان في طريقه إلى سوريا، وإن أحد الأشخاص سلّمه الأدوية لنقلها إلى مرضى هناك. وأقر بأنه نقل أدوية سابقاً من مصر إلى لبنان ومنها إلى سوريا، لكنه نفى الاتجار بها.
وقال القبلان إنه كان يعلم أن بعض الأدوية مخصصة لمرضى السرطان، وإن محادثة على هاتفه مع شخص مسجل باسم “أبو أكرم” تضمنت حديثاً عن جلب الأدوية، كما أرسل إليه، بحسب إفادته، وصفات طبية لتقديمها إلى الجمارك. وقد أُخلي سبيله لاحقاً بموجب سند إقامة، ولم يرد اسمه بين الأشخاص الخمسة الذين شملهم الادعاء.
أما عبد الرحمن قاضي، المولود عام 1969، فأوقف أثناء سفره من مصر إلى سوريا عبر لبنان، وبحوزته أدوية بلغ وزنها نحو 1900 غرام، بينها دواء “مونجارو”. وأفاد بأن الأدوية أرسلها صيدلي في مصر إلى صيدلي في سوريا، وأقر بأنه مسح محادثات من هاتفه بعد توقيفه.
“DAWA” وتحويلات بآلاف الدولارات
وبحسب التحقيقات، تركز جانب من الملف حول حسام العرب، وهو لبناني أوقف لدى وصوله من الخارج إلى لبنان، بعدما عُثر في حقيبته على كمية من الأدوية، بينها “مونجارو”. وقال إن الأدوية تعود إلى أصدقاء يحتاجون إليها.
لكن هاتفه كشف أرقاماً لبنانية وأجنبية، بينها أرقام مصرية وأردنية وسعودية، مسجلة تحت أسماء مختلفة تتبعها كلمة “DAWA”. وعندما واجهه المحققون بها، قال إنها تعود إلى أشخاص كان يسألهم عن أسعار الأدوية ويتعامل معهم.
كما عثر المحققون على مقاطع فيديو تعود إلى عام 2026 وتُظهر كميات كبيرة من الأدوية. وقال العرب إن المقاطع صُوّرت في تركيا، وإنه اشترى الأدوية هناك وباعها هناك، نافياً إدخالها إلى لبنان. وذكر أن بعض الأدوية المضبوطة أدوية سرطان يحتاج إليها مريض، مدعياً أنها مقطوعة في لبنان، وأن معظم الأدوية التي تعامل بها هي “مونجارو”.
وأظهرت مراجعة محادثات “واتساب” أسماء أشخاص وردت في ضبوط أخرى، بينهم محمد الموجي ومحمد السنطاوي، المطلوبان بجرم تهريب أدوية، إضافة إلى شخص يُدعى حبيب، قالت التحقيقات إنه مصري ومطلوب بالجرم نفسه. وامتدت المحادثات بين العرب وبعض هؤلاء إلى عام 2024.
وقال العرب إنه لا يعرف الموجي والسنطاوي شخصياً، وإن مصرياً طلب منه تأمين أدوية وشراءها منه مقابل بدل مالي، لكنه أقر بأنه اشترى أدوية من السنطاوي ثلاث مرات. كما أقر بأنه مسح محادثات من هاتفه بعد توقيفه.
ولم تقتصر المعطيات على المحادثات؛ إذ كشف التدقيق في الهاتف عن تحويلات مالية بآلاف الدولارات من الموجي والسنطاوي وشخص يُدعى حبيب. وأفاد العرب بأن بعض الأسماء المسجلة تحت عبارة “DR” تعود إلى أطباء، لكنه قال إن ذلك لا يعني بالضرورة أنهم يشترون الأدوية.
وفي إفادة إضافية، أقر العرب بوجود دواء “أوزمبيك” بين المضبوطات، موضحاً أن الكمية تكفي لنحو ثلاثين يوماً. كما تحدث عن تواصله مع أشخاص سعوديين وأتراك بشأن دواء “Retatrutide”، وقال إنه كان ضمن مجموعة لتبادل الأدوية، وإنه يؤمّن أدوية شخصية لأشخاص يعرفهم. ونفى حيازته شهادة طبية أو صيدلانية، قائلاً إنه لم يكن يعلم أن ما يقوم به مخالف للقانون.
ملف من الجمارك إلى القضاء
وكان النائب العام المالي، القاضي ماهر شعيتو، قد أودع في 29 تشرين الأول 2026 النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان كامل ملف الدعوى، متضمناً ضبوط مكتب مكافحة الجرائم المالية وتبييض الأموال والجمارك وإجازة جمارك المطار، طالباً إقامة الدعوى العامة على المشتبه بهم، وتوقيف الموقوفين منهم، وإصدار مذكرات غيابية بحق المتوارين.
وفي 3 تشرين الثاني، ادعى القاضي بلال حلاوي على الأشخاص الخمسة وأحال الملف إلى القاضية ندى الأسمر. وكان العرب قد تُرك رهن التحقيق لقاء كفالة مالية قدرها خمسة آلاف دولار، فيما بقي قاضي وفارس موقوفين، وعُممت بلاغات بحث وتحرٍّ بحق الموجي والسنطاوي.
وخُتم الضبط في 26 تشرين الأول، وأودع مع الملف والكفالة والمضبوطات لدى النيابة العامة المالية، فيما أبقيت الهواتف لدى مكتب مكافحة الجرائم المالية لاستثمارها، وسُلّمت الأدوية المضبوطة إلى وزارة الصحة العامة.
وبين أدوية السرطان التي قال أحد الموقوفين إنها نُقلت إلى مرضى في سوريا، وحقن التنحيف والسكري التي ظهرت في المضبوطات، والوصفات والأرقام والتحويلات التي يجري التحقيق فيها، لا يزال الملف أمام القضاء لكشف مسار الأدوية والجهات التي تولت نقلها وشراءها وبيعها. وتبقى الوقائع الواردة في الضبوط والادعاء قيد التحقيق، فيما لم يصدر حكم قضائي في القضية