حديقة الرئيس محمد السعودي في صيدا: واحة خضراء مهجورة... تنتظر روّادها
على تخوم صيدا، في جهة سينيق، تقف حديقة الرئيس محمد السعودي شاهدةً على تحوّل بيئي وعمراني لافت؛ من مساحة كانت يومًا مكبًّا للنفايات ومصدرًا للروائح الكريهة، إلى متنفس أخضر وفضاء عام تتوافر فيه مقومات التنزّه والاستراحة والترفيه. حديقة شكّلت إضافة نوعية لمدينة لطالما اشتكى أبناؤها من قلّة الحدائق العامة والمساحات الخضراء المفتوحة أمامهم، لتصبح اليوم من أكبر حدائق المدينة، بعد حديقة الإمارات وحديقة الزويتين.
لكن المفارقة التي تستوقف الزائر، وتثير تساؤلات الشارع الصيداوي، أن هذه المساحة الخضراء، التي أُنشئت لتكون متنفسًا لأبناء المدينة والمقيمين فيها، تعيش واقعًا لا يسرّ؛ إذ تبدو مهجورة، ولا يقصدها إلا عدد قليل من الزوار، رغم ما تضمه من مرافق ترفيهية، وأماكن مهيأة للجلوس والاستراحة، وأشجار تظلل مساحاتها، ومقاعد تتيح للعائلات والأطفال قضاء أوقات ممتعة في أحضان الطبيعة، بعيدًا عن ضجيج المدينة وضغوط الحياة اليومية.
ويطرح هذا المشهد أكثر من علامة استفهام حول أسباب هذا العزوف، ولا سيما خلال عطلة نهاية الأسبوع، حين يُفترض أن تتحول الحديقة إلى مقصد للعائلات والأصدقاء والأطفال. فهل يعود الأمر إلى بُعد موقعها عن وسط المدينة والأحياء السكنية؟ أم أن الصورة القديمة التي ارتبطت بالمكان، حين كان مكبًّا للنفايات وتنبعث منه الروائح المزعجة، ما زالت عالقة في أذهان الناس، وتمنعهم من اكتشاف واقعه الجديد؟ وهل لا تزال تلك الانطباعات القديمة تحكم نظرة المواطنين إلى الحديقة، رغم زوال الأسباب التي أوجدتها؟
وفي هذا السياق، حرصت بلدية صيدا، قبل نحو أسبوع، على تنظيف الحديقة والعناية بمرافقها، استجابةً لشكوى وردت إليها، في خطوة تؤكد أهمية متابعة هذا المرفق العام والحفاظ على نظافته وجاهزيته لاستقبال الزوار. واليوم، تبدو الحديقة نظيفة وجميلة، وقد تخلّصت من الروائح الكريهة التي ارتبطت بذاكرة المكان، لتكشف عن وجه آخر يستحق أن يراه الناس ويكتشفوا تفاصيله.
من هنا، فإن الدعوة اليوم ليست إلى زيارة عابرة فحسب، بل إلى إعادة اكتشاف هذه الحديقة، وكسر الصورة القديمة التي التصقت بها، ومنحها فرصة جديدة لتكون جزءًا من الحياة اليومية للصيداويين. فالأماكن العامة لا تحيا بجمال أشجارها وحده، ولا بما يُقام فيها من مرافق وتجهيزات، بل تحيا بروّادها، وبخطوات الأطفال على ممراتها، وبضحكات العائلات بين أشجارها، وبالحضور الذي يمنحها روحًا وحياة.
إنها دعوة إلى بلدية صيدا لتفعيل حضورها واقامة النشاطات فيها وإلى أبناء صيدا والمقيمين فيها: لا تتركوا هذه الواحة الخضراء وحيدة. زوروها، اصطحبوا عائلاتكم وأطفالكم إليها، استمتعوا بجمالها وإطلالتها، وساهموا في الحفاظ على نظافتها ومرافقها. فليس من المنطقي أن تتحول مساحة انتُزعت من براثن النفايات لتكون متنفسًا للناس إلى مكان مهجور يفتقدهم. فالحديقة التي انتصرت على المكبّ تستحق أن تنتصر اليوم على الهجران، وأن تستعيد مكانها في ذاكرة المدينة وحياة أهلها.