إختر من الأقسام
آخر الأخبار
تربية | لبنان
ازمة العام الدراسي المقبل ومستقبل القطاع التربوي
ازمة العام الدراسي المقبل ومستقبل القطاع التربوي
المصدر : بقلم الأستاذ احمد شعيب
تاريخ النشر : الأحد ٩ أيار ٢٠٢١

مشكلة، أزمة، معضلة، كارثة... احتار حقيقة اي كلمة اختار لتوصيف الاعوام الدراسية المقبلة في لبنان... وبرأيي المتواضع الذي يختصر المقال المطول ادناه، بوجود جائحة كورونا أو بدونها، "التعلم عن بعد" سيكون الحل الوحيد للاستمرارية في العام الدراسي المقبل وربما ما بعده حتى اشعار اخر، لماذا؟ التفاصيل فيما يلي...

المدارس بين التعليم و"ما هو ابعد منه" قديما وحديثا

قديما، كانت معظم المدارس الخاصة في لبنان تابعة لارساليات أو لجمعيات اسلامية او حتى مدارس حزبية، وكان لديها هدف ابعد من التعليم، (تبشيرية، دعوية، سياسية الخ...). ومن اجل تحقيق الهدف الأبعد، لم يكن هناك حسابات للربح أو الخسارة، بل على العكس، كانت الخسارة هي الحال الطبيعي في معظم الأوقات، وكان الدعم الخارجي الذي تحصل عليه المدرسة من متبرعين من داخل لبنان وخارجه يهمهم تحقيق هذا الهدف الأبعد، هو ما يبقيها مستمرة... اليوم بالنسبة إلى كل هؤلاء، لنقلها بصراحة، اصبح الموضوع فيه جانب تجاري بطبيعة الحال، والمدرسة التي لا تغطي مصاريفها بالحد الأدنى، تتجه نحو الاقفال...

انعكاس التضخم المالي على القطاع التربوي

التضخم المفرط الذي اصاب الاقتصاد اللبناني، حيث ارتفع سعر الصرف للدولار مقابل الليرة من 1500 حتى 12500 بتاريخ كتابة هذا المقال، فرض واقعا جديدا على كل القطاعات الإقتصادية، التي بدأت تتأقلم في التجارة والصناعة وحتى الخدمات مع هذا التضخم، وبدأت الاسعار بالارتفاع وبالتالي الرواتب حتى في بعض القطاعات كي تحافظ هذه القطاعات على استمراريتها من خلال الحفاظ على العمال والموظفين... هذا الكلام، بشكل مؤكد، لا ينطبق على قطاع التعليم...

القطاع التربوي، لا سيما في القطاع الخاص، الذي كان اساسا يخوض جدل اعطاء الست درجات، لم يخرج اساسا من هذا الجدل، الذي ضل محط اخد ورد وأخد ورد مقابل، بين ادارات المدارس والمعلمين والأهل من ثلاث جهات... وكانت المحصلة أن الدرجات الست لم تعط اساسا في غالبية المدارس الخاصة (وحتى مع احتساب الست درجات اليوم، فانها تصل في احسن احوالها بحسب الاقدمية الى معدل 300.000 ل.ل. مثلا، وبالتالي قد خسرت قيمتها التي كانت متوخاة منها.

ثم بدأ التضخم اواخر العام 2019، ومعه ازمة كورونا، وبدأ التعليم عن بعد، واستمر التضخم المتصاعد، وبقيت الرواتب على حالها، وفي الوقت الذي كما قلنا تاقلم من يستطيع التأقلم من اصحاب المهن من خلال رفع اسعارهم لى السلع والخدمات، بقي المعلم لا حول لا قوة له الا بالله، يدفع وحيدا ضريبة التضخم...

واذكر على هامش هذا المقال، محادثة احزنتني حقيقة مع أحد الزملاء، حيث قال أنه اوكل اليه شخص من خارج لبنان، احضار معلم دهان لصيانة محل يملكه، فطلب اجرة يده عن يومين عمل 1.200.000 ل.ل.، فقال لنا هذا الزميل بما هو مضحك مبكي: "في حدا فاضي من الاساتذة يجي يدهن معي هالمحل على يومين وبقسم ال 1.200.000 بيني وبينه أحسن من معاشاتنا؟"... محزن مبكي ومؤسف، وساعود لهذه النقطة في موضع اخر لنتحدث عن انعكاساتها الخطيرة...

كورونا انقد العام الدراسي في لبنان

للوهلة الأولى بدا أن التعليم عن بعد انقذ العام الدراسي 2019-2020 من قطع الطرقات والظروف الأمنية التي فرضت نفسها مع بداية الحراك الشعبي في 17 تشرين. ولكن الحقيقة، أنه ايضا انقذ العام الدراسي 2020-2021، ليس من كورونا، انما من الافلاس، لأنه في ظل الارتفاع المفرط في سعر السلع والخدمات التشغيلية، مع بقاء الاقساط على حالها، كان الحل الأمثل هو التعليم عن بعد، الذي انقد المدارس الخاصة من عبء تضخم مفرط في فواتير التشغيل، لن تقدر على تغطيته بمعدل مداخليها الحالية.

بحسابات بسيطة على سبيل المثال، فاتورة الورق وحدها التي كان يتراوح معدلها بحسب حجم المدارس لنقل 30 الف دولار سنويا، كانت قيمتها 45.000.000 ل.ل. (، اليوم تساوي 375.000.000 ل.ل.، وقياسا على ذلك كل شي آخر، من الطبشور أو اقلام اللوح الأبيض وتكاليف الصيانة وغيرها. كل هذا ولم نتحدث عن رواتب المعلمين التي افترضنا انها ستبقى على ما هي عليه.

فاذا، اذا لم يحصل زيادة في الاقساط، من المستحيل أن تعود اي مدرسة خاصة للتعليم الحضوري، بنفس الكلفة التشغيلية من اوراق وقرطاسية وصيانة ومولدات ومازوت وغيره... مستحيل، ونقطة على السطر...

زيادة الأقساط هي الحل؟

بسيطة، الحل هو في زيادة الاقساط، نغطي الفارق في التكاليف التشغيلية وتعطي المعلمين زيادة في الراتب، ونعود للتعليم الحضوري... لا، ليست بسيطة ...

حتى لو كان مقدار الزيادة على الاقساط 100%، اي مضاعفة الاقساط، فان هذا لن يكفي لتغطية التكاليف التشغيلية التي تضاعفت عشر مرات، ولن يبقى منها شيء اساسا لتغطية زيادة الرواتب... حتى اني اجزم أنه لو كانت الزودة هي مضاعفة الاقساط ثلاث واربع اضعاف، فان هذا لن يكفي ليعود الحال الى ما كان عليه ... نعم، الوضع سوداوي الى هذه الدرجة...

اضف الى ذلك، جزء كبير من الاهالي بطبيعة الحال يعاني من نفس الوضع المادي. صحيح أن بعضهم من اصحاب المهن الحرة أو العاملون في الخارج الذين تأقلموا مع الواقع الى حد ما، انما الغالبية التي هي من الموظفين المحليين في القطاع الخاص أو الحكومي وأصحاب المؤسسات المتضررة من القطاعات الكمالية مثلا، لم تتأقلم مع الوضع الجديد، وهي ان كانت مستعدة لتحمل اي زيادة على الاقساط فانها ستكون في حدود معينة.

ايضا وايضا، لا ننسى الفارق الذي سوف يدفعه الأهل عن كثير من مصاريف التنقل والقرطاسية مثلا، حيث كانت معدل القرطاسية للطالب في السنة 300$ كانت تساوي 450.000، اليوم تساوي 3.750.000 ل.ل.، وهذا بحد ذاته زودة على الأهل.

مزيد من السوداوية؟

نعم، الأمر لا يقف عند هذا الحد ... لا ابالغ عندما أقول أن معظم من اعرفهم من الزملاء في كثير من المدارس الخاصة والرسمية، يفكرون في اعتزال مهنة التعليم في حال بقي الوضع على ما هو عليه ... ونعود إلى كلام الزميل عن الدهان، صحيح انه كان كلاما نابعا من حرقة قلب، لكن عندما يحين وقت الجد، اذا كان مدخول العامل في الدهان 10 ملايين ليرة شهريا وقابل للتأقلم مع ظروف التضخم، بينما المعلم الذي في احسن الأحوال مع اقدميته راتبه حوالي 3 ملايين (المعلم الجديد راتبه في حدود ال 900.000 أو 1.200.000)، فطبيعي أن يفكر اي انسان، رجل أو امرأة، عازب أو متزوج، وفي اي مرحلة عمرية، ان يترك مهنة التعليم لصالح أي مهنة تؤمن له عيشا كريما.

طبعا هذا الموضوع لا يظهر بشكل جلي الآن في العدول عن التعليم نحو مهن اخرى، لكنه يظهر واضحا في هجرة المعلمين الى خارج لبنان، حيث اعرف عددا ما بأس به من الزملاء وصلته عروض للتعليم في دول الخليج بقيمة 3000-4000$ وما فوق، وهو ما لن يحصل المعلم على 15% منه ان بقي في اي مدرسة في لبنان.

هذا ان لم يتم التصدي له، سوف يؤدي الى هجرة الكوادر التعليمية من لبنان، وفي الوقت الذي كانت معظم المدارس التي تعطي مستوى جيدا في التعليم تفترض ان يكون المعلم لا سيما الجديد حاملا لشهادة ماسترز في اختصاصه، لن يبقى في لبنان احد من حاملي هذه الشهادات، لا معلمو الدرجة الأولى ولا غيرهم، بل سيؤدي هذا إلى أن يعمل في مهنة التعليم أي كان مهما كان مستواه، على قاعدة املأ الفراغ أفضل من لا شيء.

اسئلة ما قبل الحلول

صعب جدا أن يقترح أحد اي حلا لهذه المعضلة، لشدة تشابكها ولأن المتغيرات كثيرة، ومثلث "الادارة - المعلمون - الأهل" كل يرى الأمور من وجهة نظره، وان كان هناك من امكانية سابقا للوصول إلى ارضية مشتركة، فان هذه الأرضية اصبحت صعبة المنال بدون جهود حقيقة. لذلك، قبل نقاش اي حل، على كل طرف أن يضع نصب عينيه ما يلي.

ادارات المدارس: اخذين بعين الاعتبار الشق التجاري في عمل المدرسة، هل تفكرون في الاستمرارية؟ الستم متيقنين ان "الموارد البشرية" في "مؤسستكم" هي عنصر الجذب الأول "للزبائن" وليس المباني والتجهيزات؟ الا يستحق هذا المورد منكم دراسة متأنية لواقع حاله، كي لا تخسروه وتصبح مؤسساتكم "خاوية على عروشها"؟ الا يستأهل هذا ان تقوموا من جهتكم ببعض التضحيات؟

الاهالي: السؤال ليس ان كان اولادكم سيتعلمون في لبنان، بل انا كواحد من الأهالي يؤرقني سؤال "من سوف يعلم أولادي في لبنان؟" ... سواء هاجرت الكوادر التعليمية أو نزحت نحو مهن اخرى اكثر مدخولا، لن يبقى احد ليعلم اولادكم سوى من يتعدى على المهنة مستقبلا او من بقي مكرها في المهنة لعدم وجود بديل. والمدرسة التي كانت يوما ما على المستوى الأكاديمي من الصف الأول والثاني، سوف تتجه حكما لكي تصبح من مدارس الصف الثالث ان لم نقل "الدكاكين" التي يوجد منها الآن في كل منطقة مدرسة بالحد الأدنى، وسيصبح التعليم الجيد حكرا على طبقة معينة فقط في لبنان. الا يستأهل هذا الهاجس، أن تقوموا من جهتكم ببعض التضحيات؟

المعلمين: انتم من الفئات التي تدفع ثمنا مجحفا للتضخم، لكنكم لستم وحدكم، فهناك فئات من اهالي الطلاب تدفع اثمانا منها ما هو أكثر ومنها ما هو اقل (وصحيح منها المغترب الذي على عكس مستفيد من هذه الأزمة). لكن لكي تطاع عليك ان تطلب المستطاع. من المستحيل أن يتصور أحدكم أنه بالامكان اعادة الوضع الى ما كان عليه عند مقارنة سعر الصرف الماضي بالحاضر. هناك وضع جديد لا بد من ان يتحمل الجميع جزءا منه.

ما الحل ؟

برأيي الشخصي، وبشكل مختصر لا يعدو كونه مقترحات أو خواطر حل، ارى أن افضل الممكن هو في وضع صيغة تركز على التعلم عن بعد. صحيح أنه لا تعليم يقارن بالتعليم الحضوري، لكن ان كان يراد ابقاء الوضع على ما كان عليه في السابق، فيجب بالحد الأدنى مضاعفة الأقساط 4 أو خمس مرات بالحد الأدنى، وهذا مستحيل، بالتالي لا من ان اختيار سياسة افضل الممكن، وبناء عليه على سبييل المثال لا الحصر:

- يتم اعتماد صيغة تدريس تعتمد بشكل اساسي على التعليم عن بعد، اذ كلما زادت نسبة التعليم الحضوري زادت التكاليف التي على المدرسة تحملها، والعكس صحيح، كلما زادت نسبة التعليم عن بعد انخفضت التكاليف. وحتى مع اعتماد التعليم الحضوري بشكل جزئي، يجب الاستغناء عن كثير من التكاليف والاستعاضة عنها ببديل عملي ( على سبيل المثال اعتماد الصيغة الالكترونية للإمتحانات حتى لو حصلت داخل المدرسة، لتوفير الورق)

- تضع ادارات المدارس خطة مالية تستغني فيه عن ارباحها اقله لعدد معين من السنين، وحتى تستعمل جزءا من مدخراتها السابقة في حال وجودها، يتم من خلالها تغطية كلفة التعليم الحضوري بحده الادنى.

- ضمن هذه الصيغة، يتم وضع خطة لزيادة الأقساط على مرحلة قد تمتد من خمس الى عشر سنوات وربما أكثر (لأن الأزمة الاقتصادية اللبنانية مرجحة ان تطول اكثر من هذا)، وتاخذ هذه الصيغة بعين الاعتبار دورة التضخم التي تحتاج وقتا لكي تتأقلم معها كافة القطاعات، ونخرج من التضخم المفرط إلى معدلات التضخم العادية.

- الوفر الذي سوف يحققه خفض النفقات التشغيلية في المدارس اضافة إلى الزيادة على الاقساط، يتم تخصيص الجزء الأكبر منها لاعطاء زيادة للمعلمين، اضافة إلى ايجاد صيغة لتغطية تكاليف التعلم عن بعد من جهة المعلم (مثل رفع بدل النقل ولو كان الاستاذ يدرس من المنزل) الذي لايعقل ان يدفع راتب شهر اذا اراد صيانة الحاسوب، أو راتب سنة كاملة في حال اراد تغييره.

وهناك طروحات اخرى كثيرة قد يتقدم بها كثيرون، يكون ضمنها كل طرف قد حقق مكاسبا وبالوقت نفسه تحمل حصته من التضحية، لكن المهم أن يتم مناقشة هذه المواضيع والمقترحات منذ الآن بين الأطراف الثلاثة، لأن الأمور لن تحل نفسها بشكل سحري مع بداية العام الدراسي القادم.

كل هذا طبعا إن افترضنا أن معدل التضخم سيبقى على ما هو عليه أو أكثر قليلا، أو أن خدمات الكهرباء والانترنت ستبقى متوفرة دون تقنين او انقطاع، أو حتى الوضع الأمني سيبقى ضمن المستوى المقبول، وغيرها الكثير من المتغيرات التي قد تقلب الأمور مجددا راسا على عقب، لكن نكتفي بهذا القدر.

ختاما

اختم بالخلقة الأضعف ... المعلم ...صحيح ... المعلم شمعة تنير طريق الطلاب، وقم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا... حلو الكلام، لكن في اخر النهار هذا الذي كاد أن يكون رسولا لديه عائلة يعيلها وايجار منزل واشتراك مولد وفواتير مياه وكهربا الخ الخ كما سائر الناس...

والقطاع التربوي في لبنان سواء المدرسي أو الجامعي، هو الأمل الوحيد بأن يعود البلد ليحصل ما خسره من خلال تخريج طلاب قد نالوا نوعية جيدة من التحصيل العلمي، وهو الأساس الذي تبنى عليه كل قطاعات البلد الأخرى من زراعة وصناعة وتجارة ومصارف، فاذا تركنا هذا القطاع ينهار، العوض بسلامتكم عالباقيين، ونصبح في أحسن احوالنا بلدا مصدرا للعمالة الأجنبية التي تعمل في قطاعات هامشية في بلدان الإغتراب...زمة العام الدراسي المقبل ومستقبل القطاع التربوي

بقلم الأستاذ احمد شعيب

مشكلة، أزمة، معضلة، كارثة... احتار حقيقة اي كلمة اختار لتوصيف الاعوام الدراسية المقبلة في لبنان... وبرأيي المتواضع الذي يختصر المقال المطول ادناه، بوجود جائحة كورونا أو بدونها، "التعلم عن بعد" سيكون الحل الوحيد للاستمرارية في العام الدراسي المقبل وربما ما بعده حتى اشعار اخر، لماذا؟ التفاصيل فيما يلي...

المدارس بين التعليم و"ما هو ابعد منه" قديما وحديثا

قديما، كانت معظم المدارس الخاصة في لبنان تابعة لارساليات أو لجمعيات اسلامية او حتى مدارس حزبية، وكان لديها هدف ابعد من التعليم، (تبشيرية، دعوية، سياسية الخ...). ومن اجل تحقيق الهدف الأبعد، لم يكن هناك حسابات للربح أو الخسارة، بل على العكس، كانت الخسارة هي الحال الطبيعي في معظم الأوقات، وكان الدعم الخارجي الذي تحصل عليه المدرسة من متبرعين من داخل لبنان وخارجه يهمهم تحقيق هذا الهدف الأبعد، هو ما يبقيها مستمرة... اليوم بالنسبة إلى كل هؤلاء، لنقلها بصراحة، اصبح الموضوع فيه جانب تجاري بطبيعة الحال، والمدرسة التي لا تغطي مصاريفها بالحد الأدنى، تتجه نحو الاقفال...

انعكاس التضخم المالي على القطاع التربوي

التضخم المفرط الذي اصاب الاقتصاد اللبناني، حيث ارتفع سعر الصرف للدولار مقابل الليرة من 1500 حتى 12500 بتاريخ كتابة هذا المقال، فرض واقعا جديدا على كل القطاعات الإقتصادية، التي بدأت تتأقلم في التجارة والصناعة وحتى الخدمات مع هذا التضخم، وبدأت الاسعار بالارتفاع وبالتالي الرواتب حتى في بعض القطاعات كي تحافظ هذه القطاعات على استمراريتها من خلال الحفاظ على العمال والموظفين... هذا الكلام، بشكل مؤكد، لا ينطبق على قطاع التعليم...

القطاع التربوي، لا سيما في القطاع الخاص، الذي كان اساسا يخوض جدل اعطاء الست درجات، لم يخرج اساسا من هذا الجدل، الذي ضل محط اخد ورد وأخد ورد مقابل، بين ادارات المدارس والمعلمين والأهل من ثلاث جهات... وكانت المحصلة أن الدرجات الست لم تعط اساسا في غالبية المدارس الخاصة (وحتى مع احتساب الست درجات اليوم، فانها تصل في احسن احوالها بحسب الاقدمية الى معدل 300.000 ل.ل. مثلا، وبالتالي قد خسرت قيمتها التي كانت متوخاة منها.

ثم بدأ التضخم اواخر العام 2019، ومعه ازمة كورونا، وبدأ التعليم عن بعد، واستمر التضخم المتصاعد، وبقيت الرواتب على حالها، وفي الوقت الذي كما قلنا تاقلم من يستطيع التأقلم من اصحاب المهن من خلال رفع اسعارهم لى السلع والخدمات، بقي المعلم لا حول لا قوة له الا بالله، يدفع وحيدا ضريبة التضخم...

واذكر على هامش هذا المقال، محادثة احزنتني حقيقة مع أحد الزملاء، حيث قال أنه اوكل اليه شخص من خارج لبنان، احضار معلم دهان لصيانة محل يملكه، فطلب اجرة يده عن يومين عمل 1.200.000 ل.ل.، فقال لنا هذا الزميل بما هو مضحك مبكي: "في حدا فاضي من الاساتذة يجي يدهن معي هالمحل على يومين وبقسم ال 1.200.000 بيني وبينه أحسن من معاشاتنا؟"... محزن مبكي ومؤسف، وساعود لهذه النقطة في موضع اخر لنتحدث عن انعكاساتها الخطيرة...

كورونا انقد العام الدراسي في لبنان

للوهلة الأولى بدا أن التعليم عن بعد انقذ العام الدراسي 2019-2020 من قطع الطرقات والظروف الأمنية التي فرضت نفسها مع بداية الحراك الشعبي في 17 تشرين. ولكن الحقيقة، أنه ايضا انقذ العام الدراسي 2020-2021، ليس من كورونا، انما من الافلاس، لأنه في ظل الارتفاع المفرط في سعر السلع والخدمات التشغيلية، مع بقاء الاقساط على حالها، كان الحل الأمثل هو التعليم عن بعد، الذي انقد المدارس الخاصة من عبء تضخم مفرط في فواتير التشغيل، لن تقدر على تغطيته بمعدل مداخليها الحالية.

بحسابات بسيطة على سبيل المثال، فاتورة الورق وحدها التي كان يتراوح معدلها بحسب حجم المدارس لنقل 30 الف دولار سنويا، كانت قيمتها 45.000.000 ل.ل. (، اليوم تساوي 375.000.000 ل.ل.، وقياسا على ذلك كل شي آخر، من الطبشور أو اقلام اللوح الأبيض وتكاليف الصيانة وغيرها. كل هذا ولم نتحدث عن رواتب المعلمين التي افترضنا انها ستبقى على ما هي عليه.

فاذا، اذا لم يحصل زيادة في الاقساط، من المستحيل أن تعود اي مدرسة خاصة للتعليم الحضوري، بنفس الكلفة التشغيلية من اوراق وقرطاسية وصيانة ومولدات ومازوت وغيره... مستحيل، ونقطة على السطر...

زيادة الأقساط هي الحل؟

بسيطة، الحل هو في زيادة الاقساط، نغطي الفارق في التكاليف التشغيلية وتعطي المعلمين زيادة في الراتب، ونعود للتعليم الحضوري... لا، ليست بسيطة ...

حتى لو كان مقدار الزيادة على الاقساط 100%، اي مضاعفة الاقساط، فان هذا لن يكفي لتغطية التكاليف التشغيلية التي تضاعفت عشر مرات، ولن يبقى منها شيء اساسا لتغطية زيادة الرواتب... حتى اني اجزم أنه لو كانت الزودة هي مضاعفة الاقساط ثلاث واربع اضعاف، فان هذا لن يكفي ليعود الحال الى ما كان عليه ... نعم، الوضع سوداوي الى هذه الدرجة...

اضف الى ذلك، جزء كبير من الاهالي بطبيعة الحال يعاني من نفس الوضع المادي. صحيح أن بعضهم من اصحاب المهن الحرة أو العاملون في الخارج الذين تأقلموا مع الواقع الى حد ما، انما الغالبية التي هي من الموظفين المحليين في القطاع الخاص أو الحكومي وأصحاب المؤسسات المتضررة من القطاعات الكمالية مثلا، لم تتأقلم مع الوضع الجديد، وهي ان كانت مستعدة لتحمل اي زيادة على الاقساط فانها ستكون في حدود معينة.

ايضا وايضا، لا ننسى الفارق الذي سوف يدفعه الأهل عن كثير من مصاريف التنقل والقرطاسية مثلا، حيث كانت معدل القرطاسية للطالب في السنة 300$ كانت تساوي 450.000، اليوم تساوي 3.750.000 ل.ل.، وهذا بحد ذاته زودة على الأهل.

مزيد من السوداوية؟

نعم، الأمر لا يقف عند هذا الحد ... لا ابالغ عندما أقول أن معظم من اعرفهم من الزملاء في كثير من المدارس الخاصة والرسمية، يفكرون في اعتزال مهنة التعليم في حال بقي الوضع على ما هو عليه ... ونعود إلى كلام الزميل عن الدهان، صحيح انه كان كلاما نابعا من حرقة قلب، لكن عندما يحين وقت الجد، اذا كان مدخول العامل في الدهان 10 ملايين ليرة شهريا وقابل للتأقلم مع ظروف التضخم، بينما المعلم الذي في احسن الأحوال مع اقدميته راتبه حوالي 3 ملايين (المعلم الجديد راتبه في حدود ال 900.000 أو 1.200.000)، فطبيعي أن يفكر اي انسان، رجل أو امرأة، عازب أو متزوج، وفي اي مرحلة عمرية، ان يترك مهنة التعليم لصالح أي مهنة تؤمن له عيشا كريما.

طبعا هذا الموضوع لا يظهر بشكل جلي الآن في العدول عن التعليم نحو مهن اخرى، لكنه يظهر واضحا في هجرة المعلمين الى خارج لبنان، حيث اعرف عددا ما بأس به من الزملاء وصلته عروض للتعليم في دول الخليج بقيمة 3000-4000$ وما فوق، وهو ما لن يحصل المعلم على 15% منه ان بقي في اي مدرسة في لبنان.

هذا ان لم يتم التصدي له، سوف يؤدي الى هجرة الكوادر التعليمية من لبنان، وفي الوقت الذي كانت معظم المدارس التي تعطي مستوى جيدا في التعليم تفترض ان يكون المعلم لا سيما الجديد حاملا لشهادة ماسترز في اختصاصه، لن يبقى في لبنان احد من حاملي هذه الشهادات، لا معلمو الدرجة الأولى ولا غيرهم، بل سيؤدي هذا إلى أن يعمل في مهنة التعليم أي كان مهما كان مستواه، على قاعدة املأ الفراغ أفضل من لا شيء.

اسئلة ما قبل الحلول

صعب جدا أن يقترح أحد اي حلا لهذه المعضلة، لشدة تشابكها ولأن المتغيرات كثيرة، ومثلث "الادارة - المعلمون - الأهل" كل يرى الأمور من وجهة نظره، وان كان هناك من امكانية سابقا للوصول إلى ارضية مشتركة، فان هذه الأرضية اصبحت صعبة المنال بدون جهود حقيقة. لذلك، قبل نقاش اي حل، على كل طرف أن يضع نصب عينيه ما يلي.

ادارات المدارس: اخذين بعين الاعتبار الشق التجاري في عمل المدرسة، هل تفكرون في الاستمرارية؟ الستم متيقنين ان "الموارد البشرية" في "مؤسستكم" هي عنصر الجذب الأول "للزبائن" وليس المباني والتجهيزات؟ الا يستحق هذا المورد منكم دراسة متأنية لواقع حاله، كي لا تخسروه وتصبح مؤسساتكم "خاوية على عروشها"؟ الا يستأهل هذا ان تقوموا من جهتكم ببعض التضحيات؟

الاهالي: السؤال ليس ان كان اولادكم سيتعلمون في لبنان، بل انا كواحد من الأهالي يؤرقني سؤال "من سوف يعلم أولادي في لبنان؟" ... سواء هاجرت الكوادر التعليمية أو نزحت نحو مهن اخرى اكثر مدخولا، لن يبقى احد ليعلم اولادكم سوى من يتعدى على المهنة مستقبلا او من بقي مكرها في المهنة لعدم وجود بديل. والمدرسة التي كانت يوما ما على المستوى الأكاديمي من الصف الأول والثاني، سوف تتجه حكما لكي تصبح من مدارس الصف الثالث ان لم نقل "الدكاكين" التي يوجد منها الآن في كل منطقة مدرسة بالحد الأدنى، وسيصبح التعليم الجيد حكرا على طبقة معينة فقط في لبنان. الا يستأهل هذا الهاجس، أن تقوموا من جهتكم ببعض التضحيات؟

المعلمين: انتم من الفئات التي تدفع ثمنا مجحفا للتضخم، لكنكم لستم وحدكم، فهناك فئات من اهالي الطلاب تدفع اثمانا منها ما هو أكثر ومنها ما هو اقل (وصحيح منها المغترب الذي على عكس مستفيد من هذه الأزمة). لكن لكي تطاع عليك ان تطلب المستطاع. من المستحيل أن يتصور أحدكم أنه بالامكان اعادة الوضع الى ما كان عليه عند مقارنة سعر الصرف الماضي بالحاضر. هناك وضع جديد لا بد من ان يتحمل الجميع جزءا منه.

ما الحل ؟

برأيي الشخصي، وبشكل مختصر لا يعدو كونه مقترحات أو خواطر حل، ارى أن افضل الممكن هو في وضع صيغة تركز على التعلم عن بعد. صحيح أنه لا تعليم يقارن بالتعليم الحضوري، لكن ان كان يراد ابقاء الوضع على ما كان عليه في السابق، فيجب بالحد الأدنى مضاعفة الأقساط 4 أو خمس مرات بالحد الأدنى، وهذا مستحيل، بالتالي لا من ان اختيار سياسة افضل الممكن، وبناء عليه على سبييل المثال لا الحصر:

- يتم اعتماد صيغة تدريس تعتمد بشكل اساسي على التعليم عن بعد، اذ كلما زادت نسبة التعليم الحضوري زادت التكاليف التي على المدرسة تحملها، والعكس صحيح، كلما زادت نسبة التعليم عن بعد انخفضت التكاليف. وحتى مع اعتماد التعليم الحضوري بشكل جزئي، يجب الاستغناء عن كثير من التكاليف والاستعاضة عنها ببديل عملي ( على سبيل المثال اعتماد الصيغة الالكترونية للإمتحانات حتى لو حصلت داخل المدرسة، لتوفير الورق)

- تضع ادارات المدارس خطة مالية تستغني فيه عن ارباحها اقله لعدد معين من السنين، وحتى تستعمل جزءا من مدخراتها السابقة في حال وجودها، يتم من خلالها تغطية كلفة التعليم الحضوري بحده الادنى.

- ضمن هذه الصيغة، يتم وضع خطة لزيادة الأقساط على مرحلة قد تمتد من خمس الى عشر سنوات وربما أكثر (لأن الأزمة الاقتصادية اللبنانية مرجحة ان تطول اكثر من هذا)، وتاخذ هذه الصيغة بعين الاعتبار دورة التضخم التي تحتاج وقتا لكي تتأقلم معها كافة القطاعات، ونخرج من التضخم المفرط إلى معدلات التضخم العادية.

- الوفر الذي سوف يحققه خفض النفقات التشغيلية في المدارس اضافة إلى الزيادة على الاقساط، يتم تخصيص الجزء الأكبر منها لاعطاء زيادة للمعلمين، اضافة إلى ايجاد صيغة لتغطية تكاليف التعلم عن بعد من جهة المعلم (مثل رفع بدل النقل ولو كان الاستاذ يدرس من المنزل) الذي لايعقل ان يدفع راتب شهر اذا اراد صيانة الحاسوب، أو راتب سنة كاملة في حال اراد تغييره.

وهناك طروحات اخرى كثيرة قد يتقدم بها كثيرون، يكون ضمنها كل طرف قد حقق مكاسبا وبالوقت نفسه تحمل حصته من التضحية، لكن المهم أن يتم مناقشة هذه المواضيع والمقترحات منذ الآن بين الأطراف الثلاثة، لأن الأمور لن تحل نفسها بشكل سحري مع بداية العام الدراسي القادم.

كل هذا طبعا إن افترضنا أن معدل التضخم سيبقى على ما هو عليه أو أكثر قليلا، أو أن خدمات الكهرباء والانترنت ستبقى متوفرة دون تقنين او انقطاع، أو حتى الوضع الأمني سيبقى ضمن المستوى المقبول، وغيرها الكثير من المتغيرات التي قد تقلب الأمور مجددا راسا على عقب، لكن نكتفي بهذا القدر.

ختاما

اختم بالخلقة الأضعف ... المعلم ...صحيح ... المعلم شمعة تنير طريق الطلاب، وقم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا... حلو الكلام، لكن في اخر النهار هذا الذي كاد أن يكون رسولا لديه عائلة يعيلها وايجار منزل واشتراك مولد وفواتير مياه وكهربا الخ الخ كما سائر الناس...

والقطاع التربوي في لبنان سواء المدرسي أو الجامعي، هو الأمل الوحيد بأن يعود البلد ليحصل ما خسره من خلال تخريج طلاب قد نالوا نوعية جيدة من التحصيل العلمي، وهو الأساس الذي تبنى عليه كل قطاعات البلد الأخرى من زراعة وصناعة وتجارة ومصارف، فاذا تركنا هذا القطاع ينهار، العوض بسلامتكم عالباقيين، ونصبح في أحسن احوالنا بلدا مصدرا للعمالة الأجنبية التي تعمل في قطاعات هامشية في بلدان الإغتراب...


عودة الى الصفحة الرئيسية