كل الإحتمالات واردة.. حلول أو جغرافيات جديدة

من الواضح أن الرهان على أي تطورات بحجم المواجهات الجانبية لأي مهامٍ أمنية يتولاها الجيش على امتداد الجغرافيا اللبنانية، في إطار بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، لن يقف بوجه مسارٍ أطلقته الحكومة بحصر السلاح بيد الجيش وتكليف قيادته بوضع خطة عملية ستدرسها الحكومة في اجتماعها يوم الجمعة المقبل، وذلك بمعزلٍ عن خلاصات مشهد الزحمة "الأميركية" بكل تفاصيلها ومظاهرها وإشكاليات تصاريح الديبلوماسيين، والتي خطفت الأضواء عن العنوان الفعلي الذي يختصر "الورقة الأميركية" وهو تثبيت الهدنة، وبدء انسحاب إسرائيل كمرحلة أولى تمهّد للإنتقال إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التفاوض بوساطة أميركية لتثبيت الحدود الجنوبية، وتنفيذ انتشار الجيش اعتباراً من جنوب الليطاني باتجاه شمال النهر.
ولا تقتصر أزمة لبنان "الحقيقية"، كما يحدّدها سياسي مخضرم، على الكلام الأميركي "الجاذب حول الإزدهار" أو "النافر" رغم الإعتذار والتبرير، بل تتركّز في "المجهول" الذي ينتظر الساحة الداخلية، في ظل التحديات التي فرضتها استفزازات إسرائيل بمواصلة احتلال المزيد من المواقع في الجنوب، في لحظةٍ كان يطلق فيها السفير توم برّاك الوعود بالحصول على خطوةٍ، أو إعلان نوايا تشي بانسحابٍ وشيك مقابل الخطوات التي باشرها لبنان في مسألة تسلّم سلاح 6 مخيمات فلسطينية حتى الأمس، رغم التعقيدات في مخيماتٍ مُدرجة على لائحة القرار الحكومي.
والتوصيف الذي يعطيه السياسي المخضرم لازدواجية الولايات المتحدة في التعاطي مع الرفض الإسرائيلي، هو غياب الرؤية لما بعد الصراعات والحروب الإسرائيلية في المنطقة، ذلك أن المجازفة الأميركية بكل ما تحقّق منذ انتخاب رئيس الجمهورية جوزف عون وتشكيل حكومة الرئيس نواف سلام إلى اليوم، من قبل واشنطن، وذلك عبر التبنّي الواضح للإتجاهات الإسرائيلية وربط الحلول في لبنان أو في أي دولة في المنطقة، قد يؤدي إلى تخريب الواقع بكل تفاصيله.
ومن هنا، فإن الكلام الأميركي عن "الإزدهار" الموعود، ليس سوى كلام آني يتم توظيفه لتبريرٍ للمبادرات والتي لن تكون مبادرة توم برّاك آخرها، حيث يتحدث السياسي نفسه، عن موفدين أميركيين غير برّاك، قد يحملون التسوية، بالتوازي مع موفدين فرنسيين سيصلون قريباً إلى بيروت لاستعادة الحراك الدولي الذي اختزله الجانب الأميركي منذ أشهر.
فحديث برّاك عن عدم اعتراف إسرائيل بـ"سايكس بيكو" وبأنها قادرة على "تنفيذ ما تريد من أجل حماية نفسها من 7 أوكتوبر جديد"، يدقّ ناقوس الخطر حول القادم من الأيام، إنما يجزم السياسي المخضرم، بأن الولايات المتحدة، ورغم انحيازها للموقف الإسرائيلي، لن تذهب إلى حدود المغامرة والسماح بعودة شبح الحرب الإسرائيلية، إنطلاقاً من رفض انهيار معادلة الإستقرار الأمني، وعلى هذا الأساس، تتنامى الضغوط كما التحديات على لبنان من قبل واشنطن، من أجل سحب الذرائع من يد بنيامين نتنياهو، ما يؤدي إلى زيادة حجم التحديات والمسؤوليات المرمية على عاتق الحكومة والجيش، علماً أن المسار ما زال في بدايته، وهو مسار شائك وبالغ الوعورة، وقد انطلق في توقيتٍ دقيق محلياً وإقليمياً ودولياً.
لذلك، فإن الاشهر المقبلة حاسمة ليس فقط للبنان إنما لكل دول المنطقة، يتابع السياسي نفسه، الذي يعتبر أن مقولة "لا غالب ولا مغلوب"، هي التي تصف الوضع، لأن إسرائيل ليست الغالبة، وما تقوم به يؤسِّس لحروب طويلة الأمد ولاستدامة الصراع في المنطقة، والذي لن تبقى بمنأى عنه، جراء التحوّل في المواقف بسبب حرب غزة.
وتقتضي هذه التحديات التركيز على الخطة التي سيناقشها مجلس الوزراء أولاً، وعدم العودة إلى الوراء في قرار حصر السلاح، وعدم ربط أي خطوة بالحسابات الأميركية ثانياً، وقطع الطريق على كل ما من شانه تعميق الإنقسام السياسي الداخلي، ونقل المواجهة مع إسرائيل إلى مواجهات داخلية ثالثاً، حيث ينصح السياسي المخضرم، كل اللبنانيين بوضع كل صراعاتهم الداخلية جانباً، من أجل حماية النموذج اللبناني أوالصيغة اللبنانية في المنطقة، والذي يشكل "تدميره" هدفاً تاريخياً لإسرائيل.
ويعترف السياسي نفسه، بأن لبنان هو في مرحلة عنوانها "كل الإحتمالات واردة"، لأن سياسة الولايات المتحدة غير واضحة، وقد يأخذ الرئيس دونالد ترامب قرارات "غير متوقعة" في أي لحظة، رغم أن الأولوية اليوم لدى واشنطن والمجتمع الدولي هو المفاوضات الجدية وبالنار وتحت تهديد العقوبات مع إيران، والتي تشكل مفتاح الحلول في غزة أو في لبنان أو في اليمن أو السبيل إلى جغرافيات جديدة في منطقة الشرق الأوسط