صراع على آلية التفاوض: واشنطن وتل أبيب تدفعان نحو مسار ثنائي مع لبنان
ما جرى في الاجتماع الأخير للميكانيزم بين الجانبين الأميركي والإسرائيلي من جهة، والجانب الفرنسي من جهة أخرى، عكس صراعا سياسيا عميقا على شكل وآلية إدارة التفاوض مع لبنان، وعلى هوية الأطراف التي تمسك بمفاتيح هذا المسار، ففي ذلك اللقاء خرج المندوب الفرنسي اعتراضاً على نتيجة تراكم مواقف ومحاولات ممنهجة لإقصاء فرنسا والأمم المتحدة عن أي دور فاعل، وتحويل الميكانيزم القائم إلى أداة أميركية إسرائيلية خالصة.
بحسب مصادر سياسية لبنانية فإن جوهر الإشكال يتمحور حول إصرار واشنطن وتل أبيب على حصر إدارة الملف اللبناني بهما، في مقابل تمسك لبنان، ومعه فرنسا، بالإطار الدولي القائم على وجود الأمم المتحدة والدور الفرنسي كضامن وشريك في أي مسار تفاوضي. هذا التناقض انفجر في الاجتماع الأخير عندما بات واضحا أن الأميركيين والإسرائيليين يريدون تغييرا بنيويا في طبيعة الميكانيزم نفسها، تمهيدًا لإفراغه من مضمونه الدولي بعد قرار انهاء مهمة اليونيفيل نهاية العام الجاري.
في هذا السياق توضع الزيارة التي كان يفترض ان يقوم بها الممثل الفرنسي جان إيف لودريان إلى لبنان للمشاركة في اجتماع الميكانيزم والتأكيد على أنها ترفض الإقصاء، وتعتبر نفسها شريكا أساسيا لا يمكن تجاوزه، ولكن كان للإسرائيلي رأي آخر ساهم بتأجيل أو الغاء الزيارة وجعل اللقاء الأخير للجنة على مستوى عسكريين فقط دون المدنيين، وهو ما يؤكد وجود الخلافات داخل اللجنة نفسها.
بحسب المصادر فإن هذه الخطوة ليست معزولة عن السياق الأوسع، فالمساعي الأميركية الإسرائيلية لإعادة هندسة الميكانيزم لم تتوقف منذ انطلاقها، وتحويل الإطار الرباعي أو المتعدد إلى ثلاثية تضم لبنان وأميركا وإسرائيل، على أن تكون هذه المرحلة انتقالية تمهّد لاحقا للانتقال إلى صيغة ثنائية مباشرة بين لبنان وإسرائيل، من دون أي غطاء أممي أو دور أوروبي واميركي.
ترى المصادر عبر "النشرة" أن هذا النموذج ليس جديدا، بل هو نسخة مستنسخة عمّا يجري تأسيسه في سوريا، حيث تمكنت واشنطن وتل أبيب من فرض لجنة تنسيق مشتركة أميركية إسرائيلية سورية، تُدار خارج أي إطار دولي.
في لبنان، لم تُخفِ الولايات المتحدة يوما رغبتها في الوصول إلى تفاوض مباشر بين بيروت وتل أبيب، وهذه الرغبة عُبّر عنها صراحة في مراحل سابقة، وتُعاد اليوم بصيغ مختلفة تحت عناوين تقنية وإجرائية، إذ تذكر المصادر أنه عندما اقترح الجانب اللبناني في وقت سابق توسيع الميكانيزم، كان الرد الإسرائيلي معاكسا تماما، عبر اقتراح تقليصه إلى ثلاثية، يومها وافقت واشنطن على التوسيع بشكل جزئي باعتباره خطوة أولى غير نهائية، هدفها إدخال الممثل المدني اللبناني إلى التفاوض تمهيدا لإعادة ضبط الإطار لاحقا وفق الرؤية الأميركية الإسرائيلية، وبالتالي فما يجري اليوم يؤكد أن هذا "التمهيد" لم يكن بريئا، فكل خطوة تُتخذ تهدف إلى إضعاف الحضور الدولي تدريجيا، ودفع لبنان إلى القبول بمسار تفاوضي مباشر مع اسرائيل، وهو ما ستسعى اليه واشنطن في الفترة المقبلة، وقد تبدأ بمطلب توسيع الوفد المدني اللبناني، او تطوير صفة المشاركين فيه من صفة غير رسمية الى صفات رسمية.
من هنا، يصبح الإشكال الأخير في الميكانيزم مؤشرا خطيرا على ما يُحضَّر للمرحلة المقبلة، فالصراع بدأ على شكل التفاوض والوفود المشاركة، فهل يتمكن لبنان من الصمود بوجه الرغبات الأميركية المدفوعة اسرائيلياً؟.