اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

حين تُستخدم المحاسبة كأداة ضغط: بلدية صيدا بين قرار سيادي وحملة مبرمجة - بقلم: آية يوسف المسلماني

صيدا اون لاين

ليس مستغرباً أن تُفتح ملفات مالية أو إدارية في أي مؤسسة عامة، فالمحاسبة حين تكون عادلة وشفافة، هي شرط أساسي لبناء الدولة.
لكن ما يثير القلق بل الريبة، هو توقيت المحاسبة، واتجاهها وحدودها والضجيج المرافق لها، حين تتحوّل من مسار قانوني طبيعي إلى أداة ضغط سياسي.
ما يجري اليوم في بلدية صيدا لا يمكن فصله عن السياق العام الذي سبقَه.
فبعد قرار البلدية الواضح والحاسم بعدم استقبال نفايات إضافية من خارج المدينة، ولا سيما من جزين، انقلب المشهد فجأة:
تصعيد، تسريبات، حملات، إشاعات، وفتح ملفات بطريقة توحي وكأن المطلوب ليس كشف الحقيقة، بل توسيع دائرة الاتهام إلى الحد الذي يسمح بإعادة خلط الأوراق داخل البلدية واتحادها.
السؤال المشروع هنا ليس:
هل يجب التحقيق؟
بل: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ ولماذا بهذا التركيز؟
منذ اللحظة الأولى لانكشاف قضية الاختلاس المرتبطة بأمينة الصندوق، كان يفترض أن يسلك التحقيق مساره الطبيعي:
تحديد المسؤوليات المباشرة، استعادة الأموال إن ثبت فقدانها، وإحالة المتورطين إلى القضاء.
لكن ما حصل فعلياً هو إصرار غير مفهوم على فرضية "وجود أموال مفقودة" من دون تقديم معطيات دامغة للرأي العام، وتوسيع دائرة الشبهات تدريجياً لتطال رئيسة المصلحة المالية والإدارة، في موازاة حملة إعلامية كثيفة تُقدَّم فيها الاتهامات وكأنها أحكام.
الأخطر من ذلك، هو تحويل الامتلاك الشخصي إلى قرينة جرم.
شقتان وسيارة، بعد أكثر من عشرين عاماً في وظيفة رسمية، تحوّلت فجأة إلى مادة اتهام، من دون أي تدقيق فعلي في مصادر الدخل، أو الأخذ بعين الاعتبار أن موظفاً يتقاضى راتباً يفوق ألفي أو ثلاثة آلاف دولار، إضافة إلى أي عائدات قانونية أخرى، يمكنه منطقياً تكوين هذا النوع من الملكية على مدى عقدين.
منذ متى أصبحت الملكية بحد ذاتها دليل إدانة؟
ومن قرر أن يختصر التحقيق المالي بالاستعراض الإعلامي؟
الأمر لا يقف عند حدود شخص أو وظيفة.
ما يُراد اليوم وبوضوح هو ضرب صورة بلدية صيدا ورئيسها وأعضائها، وخلق مناخ عام يوحي بأن المجلس البلدي برمّته موضع شبهة، تمهيداً لفرض وقائع سياسية جديدة، أبرزها انتزاع رئاسة اتحاد البلديات من يد صيدا.
هنا يصبح السؤال أكثر خطورة:
هل المطلوب محاسبة فعلية، أم عقاب سياسي على قرار وُصف، في الكواليس، بأنه "خرج عن السقف المرسوم"؟
قرار بلدية صيدا بعدم استقبال نفايات إضافية لم يكن قراراً شعبوياً ولا تحدياً لأحد، بل موقفاً دفاعياً عن مدينة دفعت ثمن فشل الدولة في إدارة ملف النفايات لسنوات.
وحين تعجز السلطة المركزية عن تقديم حلول مستدامة، يصبح من حق السلطة المحلية، بل من واجبها، أن تحمي صحة أهلها.
لكن يبدو أن هذا القرار لم يُغتفر.
فجاء الرد عبر الضغط، لا عبر النقاش، وعبر التشهير، لا عبر المعالجة، وعبر استهداف الإدارة، لا عبر إصلاح الخلل البنيوي في منظومة النفايات.
الدفاع عن بلدية صيدا اليوم لا يعني تبرئة أحد، ولا تعطيل القضاء، ولا حماية فاسدين إن وُجدوا.
بل يعني الدفاع عن مبدأ أساسي:
أن المحاسبة لا تكون انتقائية، ولا موسمية، ولا مرتبطة بقرارات سياسية.
ويعني أيضاً رفض تحويل القضاء إلى ساحة تصفية حسابات، ورفض استخدام الإعلام لإصدار الأحكام قبل اكتمال التحقيقات.
صيدا ليست مدينة سائبة، ولا بلدية يمكن كسرها بالضغط.
وما يُحاك اليوم تحت عنوان "المحاسبة" سيترك أثراً أعمق بكثير إذا استمر على هذا النحو:
ضرب ما تبقّى من ثقة الناس بأي إدارة محلية تحاول أن تقول لا.
وإذا كان ثمن حماية صحة الناس هو فتح المعارك،
فليكن واضحاً للرأي العام:
هذه ليست معركة مالية فقط، بل معركة قرار وسيادة محلية وحق مدينة في ألا تُعاقَب لأنها رفضت أن تكون مكبّاً.

تم نسخ الرابط