اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

درسٌ هندسيّ من انهيارات طرابلس: متى يُصبح البناء مُهدّداً بالسّقوط؟

صيدا اون لاين

درسٌ قاسٍ تَعلّمه لبنان من انهيارات الأبنية المتتالية في طرابلس، درسٌ تحوّل الى كابوسٍ حقيقي يُلاحق مئات الآلاف من قاطني أبنيّة تحوّلت إلى مصدر خوف يوميّ لسكانها في مُختلف المناطق اللبنانيّة وليس في عاصمة الشّمال فقط.
فُتح أخيراً ملف السلامة الإنشائية في لبنان على مصراعيه، كاشفاً هشاشة عمرانيّة تراكمت على مدى عقود من الإهمال وغياب الصيانة والرقابة وخطط الطوارئ. فمتى يصبح المبنى فعلياً مهدداً بالسقوط؟ وما هي الإشارات التي يجب التنبّه لها؟

وفق المعايير الهندسيّة، لا يُعتبر المبنى خطراً فقط لأنه "قديمٌ"، فالخطر الحقيقي يبدأ عندما يفقد الهيكل الإنشائيّ قدرته على التحمّل. وهناك مجموعة من العلامات الواضحة التي تُنذر بأنّ البناء دخل مرحلة حرجة وفق خبراء الهندسة الإنشائية:

أولاً: التشققات الإنشائية
ليست كلّ الشقوق مُتشابهة. فالتشققات السطحيّة الناتجة عن تمدّد الدهان أو تغيّر الحرارة ليست خطيرة، أما تلك التي تظهر في الأعمدة أو الجدران الحاملة، خصوصاً إذا كانت مائلة أو متقاطعة أو تمتدّ من الأرض إلى السقف، فهذه تُعتبر خطيرة، واتساع هذه الشقوق مع الوقت هو إنذارٌ أحمر لا يجوز تجاهله.

ثانياً: هبوط الأساسات
عندما تبدأ الأرضيّة بالانخفاض في جهة دون أخرى، أو تظهر ميول في المبنى، أو تتشوّه إطارات الأبواب والنوافذ، فذلك دليلٌ على مشكلة في الأساسات. هبوط التربة تحت البناء هو من أكثر الأسباب شيوعاً للانهيارات المُفاجئة.

ثالثاً: تآكل الحديد والباطون
ظهور قضبان الحديد الصدئة داخل الأعمدة أو الأسقف، وتساقط أجزاء من الباطون، يعني أنّ الهيكل يفقد قوته بشكلٍ تدريجي. الرطوبة المزمنة وتسرّب المياه يؤديان إلى صدأ الحديد، ما يُضعف قدرة الأعمدة على حمل الأوزان.

رابعاً: الأضرار الناتجة عن كوارث
الهزّات الأرضيّة، الحرائق، أو التّفجيرات القريبة قد تترك تصدّعات غير مرئيّة بالعين المجرّدة، ولكنّها تُعتبر "قاتلة" إنشائياً. الكثير من الأبنية في الشمال وفي مناطق أخرى لم تخضع لأي كشف جدي بعد الحروب والتفجيرات والأحداث الأمنيّة "المدمّرة".

خامساً: الإضافات العشوائية
إضافة طوابق من دون دراسة، أو إزالة جدران حاملة لتحويل الشّقق إلى محال تجاريّة، يغيّر التوازن الإنشائي للمبنى. هذه الممارسات شائعة في المدن القديمة، وهي أحد أهم أسباب الكوارث الصّامتة.

أمام هذه المؤشرات، متى يُصبح الإخلاء واجباً؟
من الناحية العلميّة، يصبح الإخلاء إلزامياً وفورياً عندما تتوافر إحدى هذه الحالات:
ميلانٌ واضحٌ في المبنى
تشقّقات في الأعمدة أو الجسور الحاملة
تساقط أجزاء من الأسقف
انهيار جزئي أو تشوّه في الهيكل
تقرير هندسي يُثبت أنّ عامل الأمان هو أقلّ من الحدّ المقبول

في هذه الحالات، لا يجوز انتظار الإجراءات الرسميّة، لأنّ الخطر يكون داهماً على حياة السكان.

انهيارات الأبنية في طرابلس ليست قضاءً وقدراً، بل هي نتيجة تراكم إهمال طويل. فالمبنى لا ينهار فجأة من دون إشارات مُسبقة، والعلم يحدّدها بوضوح، لكنّ المشكلة أن أحداً لا يتحرّك إلا بعد فوات الأوان

تم نسخ الرابط