النقل في لبنان على صفيح ساخن: الكلفة ترتفع والتعرفة إلى تعديل مستمر
يشهد قطاع النقل في لبنان موجة جديدة من الارتفاعات الحادة في الكلفة، مدفوعة بشكل أساسي بالتصاعد المستمر في أسعار المحروقات عالمياً، ما يفرض واقعاً ضاغطاً على المواطنين والسائقين على حد سواء، ويدفع نحو إعادة النظر دورياً في تعرفة النقل.
في الأسابيع الأخيرة، سجّلت أسعار المحروقات زيادات متتالية في السوق، نتيجة ارتباطها المباشر بأسعار النفط العالمية وكلفة الاستيراد والشحن والتأمين، في ظل التوترات الإقليمية وارتفاع المخاطر في سلاسل الإمداد. هذا الواقع انعكس مباشرة على كلفة النقل، باعتبارها من أكثر القطاعات ارتباطاً بأسعار المحروقات. فمع كل ارتفاع في سعر البنزين أو المازوت، ترتفع تلقائياً كلفة تشغيل سيارات الأجرة والباصات، ما يدفع السائقين للمطالبة بتعديل التعرفة بما يتناسب مع النفقات التشغيلية المتزايدة.
وبحسب المعطيات، فإن التعرفة مرشحة للارتفاع إلى مستويات غير مسبوقة، مع زيادات متفاوتة في النقل المشترك، وسط صعوبة في ضبط الالتزام بالتسعيرة الرسمية في مختلف المناطق. إلا أن هذه الزيادات، رغم ضرورتها بالنسبة للسائقين، تضع عبئاً إضافياً على المواطنين الذين يعانون أصلاً من تآكل قدرتهم الشرائية.
ففي موازاة ارتفاع التعرفة، يبرز عامل أساسي يزيد من حدّة الأزمة، وهو عدم مواكبة بدل النقل في الرواتب لهذه القفزات المتتالية في الكلفة. فالقيمة المعتمدة حالياً لم تعد تعكس الواقع الفعلي لكلفة التنقّل اليومي، ما يضع شريحة واسعة من الموظفين أمام معادلة صعبة: إمّا تحمّل كلفة نقل مرتفعة تستنزف جزءاً كبيراً من دخلهم، أو الحد من تنقّلاتهم وحتى التغيب عن العمل في بعض الحالات.
من هنا، تتصاعد الدعوات إلى إعادة النظر ببدل النقل ورفعه بشكل يتناسب مع الأسعار الفعلية، أو ربطه بمؤشر متحرّك يعكس تغيّر أسعار المحروقات، بما يضمن حدّاً أدنى من العدالة بين الأجور وكلفة المعيشة.
أمام هذا الواقع، تبرز مجموعة من البدائل التي يتم تداولها، إلا أنها لا تزال تصطدم بعوائق بنيوية لعل ابرزها تعزيز النقل المشترك مع إعادة تفعيل قطاع الباصات العامة وتنظيمه ما قد يخفّف الكلفة على المواطنين، لكنه يحتاج إلى استثمارات وبنية تحتية وتنظيم فعلي من الدولة.
الاعتماد على النقل الخاص المشترك الذي قد يعتبر خياراً يلجأ إليه العديد من الموظفين لتقاسم الكلفة، إلا أنه يبقى محدوداً وغير منظّم على نطاق واسع، او حتى يمكن العودة الى العمل عن بعد كحلّ لتقليل التنقّل، خصوصاً في القطاعات التي تسمح طبيعة عملها بذلك، لكنه غير قابل للتطبيق في كل المجالات.
ارتفع في الاونة الاخيرة سعي بعض اللبنانيين الى استخدام السيارات الكهربائية أو الهجينة بما يمثل حلاً على المدى الطويل، لكنه يواجه تحديات تتعلق بكلفته المرتفعة وضعف البنية التحتية للشحن في لبنان.
كما يمكن للدولة العمل على دعم قطاع النقل سواء عبر دعم المحروقات للسائقين العموميين أو تقديم حوافز، إلا أن هذا الخيار يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة المالية المحدودة.
أزمة مفتوحة على مزيد من التصعيد
اقتصادياً، لا يمكن فصل أزمة النقل عن دوامة التضخم، حيث يؤدي ارتفاع كلفة التنقّل إلى زيادة أسعار السلع والخدمات، ما يتسبب بحلقة مفرغة من الغلاء. ومع استمرار تقلبات أسعار النفط عالمياً، وغياب حلول جذرية محلية، يبدو أن كلفة النقل ستبقى مرشحة للارتفاع، فيما يبقى المواطن الحلقة الأضعف.
في المحصلة، لم يعد تعديل تعرفة النقل وحده كافياً، بل باتت الحاجة ملحّة لمقاربة شاملة تشمل الأجور، وبدل النقل، وسياسات النقل العام، لتفادي تحوّل التنقّل اليومي إلى عبء يفوق قدرة اللبنانيين على الاحتمال