الجيش يوضح إعادة تموضعه جنوبًا و"قوى الأمن" باقية في القرى الأمامية
مع بدء الشهر الثاني من الحرب بين اسرائيل وحزب الله، استمر الوضع العسكري على حاله من التصعيد، كذلك استمرت مواقف التضامن مع
لبنان من دون اي إجراء عملي، وآخرها امس موقف مجلس وزراء الداخلية العرب الذي ترأسه لبنان امس ممثلاً بوزير الداخلية احمد الحجار، وأكد المجلس «دعم أمن الأراضي اللبنانية واستقرارها ووحدتها، وتفعيل سيادة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ودعم قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح في يد الدولة»، مؤكداً حقه المشروع في حماية ارضه وشعبه، معرباً عن تطلعه الى دعم عربي ودولي للبنان.
وخلال الاجتماع الوزاري اليومي في السرايا الحكومية، كشف الحجار "بقاء عناصر من قوى الأمن الداخلي في القرى الأمامية الصامدة"، كما عرض وزير الدفاع اللواء ميشال منسى التطورات الميدانية، ولا سيما الاعتداءات الإسرائيلية التي استهدفت عدداً من المناطق حيث بلغ عدد الشهداء 1268 والجرحى 3750 وإعادة تموضع الجيش لتفادي محاصرته.
وأصدرت قيادة الجيش بياناً عقب الضجة الواسعة التي أثارها انسحاب الجيش، وقالت إنه "نتيجة تصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان، ولا سيما في المناطق التي تشهد توغلًا معاديًا في محيط البلدات الحدودية الجنوبية، ما يؤدي إلى محاصرة وحدات الجيش المنتشرة وعزلها وقطع خطوط إمدادها، نفذ الجيش عملية إعادة تموضع وانتشار شملت عددًا من هذه الوحدات. كما تُشير القيادة إلى أنّها تُواصل الوقوف إلى جانب الأهالي وفق الإمكانات المتاحة، من خلال الإبقاء على مجموعة من العسكريين في تلك البلدات. وإذ تستمر الاعتداءات الإسرائيلية دون تمييز بين العسكريين والمدنيين في مختلف المناطق، تُشدد قيادة الجيش على خطورة التحريض والتشكيك بدور المؤسسة العسكرية من جانب بعض
وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، وما يُسببه ذلك من انعكاسات سلبية على الأهالي، وتوتر داخلي، فيما تبذل المؤسسة أقصى جهودها للقيام بواجبها ضمن الإمكانات المتوافرة، في ظل ضغوط وتحديات كبيرة ناتجة عن الظروف الدقيقة الراهنة".
وافادت معلومات صحافية عن "فشل مسعى لبناني بوساطة الفاتيكان والميكانيزم لدى إسرائيل بترك ممر آمن إلى المناطق الحدودية من بين ثلاثة ممرات متاحة، والتطورات العسكرية توحي بقطع الممرات أو محاصرتها إسرائيليًّا ما فرض إعادة تموضع الجيش ". وأضافت أن الأخير "أبقى 50 عنصرًا بصيغة مدنية لتسيير شؤون المستوصف في رميش وربما في عين إبل، وقد تواصل رئيس الحكومة نوّاف سلام شخصيًّا حتى ساعات الليل المتأخرة مع رئيسي البلديتين لإبقاء قوى أمنية فيها".
وحضر هذا الملف في البيان الصادر عن الاجتماع الشهري لمجلس المطارنة الموارنة في بكركي. إذ حيّا المطارنة "السفير البابوي في لبنان المطران باولو بورجيا الذي بزياراته إلى بلدات الجنوب وبرفقته بعض الأساقفة، يُلاقي صمود الكنيسة في الجنوب بأساقفتها وكهنتها ورهبانها وراهباتها وشعبها، ويحيّون مبادرات الكنائس المحليّة ومؤسسات الإغاثة الكنسية ولا سيّما رابطة كاريتاس جهاز الكنيسة الاجتماعي الرسمي لما يقومون به لمساندتهم على الصمود في بيوتهم بكرامة". وتابع البيان "يرى أعضاء المجلس أن المطلوب من اليونيفيل التي تمثل المجتمع الدولي تطبيق القرار 1701 وبالتحديد المادة 11 الفقرة (د) التي تنصّ على تأمين إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان المدنيين، والمادة 12 التي تنصّ على حماية المدنيين المعرَّضين للتهديد الوشيك في مناطق وجودها".
وكتبت سابين عويس في" النهار": في الاحتلال الجديد للجنوب لا يدفع الشيعة وحدهم ثمن النزوح طمعاً بالأمان، وإنما أيضاً القرى المسيحية الحدودية التي تواجه اليوم معركة وجودها على الخريطة، وإصرارها على التمسك بهذا الوجود وحيدة من دون حماية أو رعاية من الدولة.
وقد جاء البيان التوضيحي لقيادة الجيش ليؤكد الواقع الجديد بكشفه أن "وحداته موجودة في مناطق تشهد توغلاً معادياً في محيط البلدات الحدودية، ما يؤدي إلى محاصرتها وعزلها وقطع خطوط إمدادها. هذا الواقع دفع الجيش إلى تنفيذ عملية إعادة تموضع وانتشار"، مع الإشارة إلى "مواصلة القيادة الوقوف إلى جانب الأهالي من خلال الإبقاء على مجموعة من العسكريين في تلك البلدات". ويأتي بيان القيادة للرد على ما وصفته "التحريض والتشكيك في دور المؤسسة العسكرية وما يسببه ذلك من توتر".
يدرك الجيش كما الدولة أن المراكز التي أخليت في مناطق دبل وعين إبل ورميش والطيري وبيت ياحون في القطاع الأوسط هي مراكز استراتيجية وتاريخية على خط المواجهة وتمثل نقاط ارتكاز حساسة، وإخلاؤها يعني عملياً رفع الغطاء العسكري الرسمي عن هذه الجبهة.
شكلت عملية انسحاب الجيش من مواقعه الحدودية، الإشارة التي يخشاها الجميع، حتى لو كانت تحت عنوان تراجع تكتي لحماية الأرواح، لأنه بدا بمثابة إعلان ضمني أن المنطقة أصبحت ساحة معركة مفتوحة لا مكان فيها للجيش أو للشرعية، والخشية اليوم من تكرار تجارب سابقة، فيكون إخلاء الجيش مواقعه مقدمة لتوسيع العمليات البرية بعدما أصبحت المنطقة مكشوفة تماماً أمام إسرائيل، وتقضي على أي فرصة للمؤسسة العسكرية للقيام بدورها في تنفيذ قرارات السلطة الشرعية بحصر السلاح والانتشار.
اليوم يتكرر مشهد الاحتلال عينه وربما في شكل أخطر، لأن إسرائيل لم تعد تكتفي بإضعاف الحزب أو استهداف مناطقه. وما يقلق أهل القرى الحدودية يكمن في الغموض الذي يكتنف القرار السياسي بسحب الجيش وما إذا كانت الدولة قررت فعلاً غض الطرف عن عملية الفرز السكاني الحاصلة في الجنوب، وما ستؤول إليه في غياب المبادرات السياسية لوقف الحرب