الجيش اللبناني تحت الضغط… تصعيد إسرائيلي يفتح باب المواجهة الحساسة
في ظلّ تصاعد المواقف الإسرائيلية تجاه لبنان، برز في الأيام الأخيرة منحى تصعيدي غير مسبوق، لم يعد يقتصر على استهداف "حزب الله"، بل تمدّد ليطال المؤسسة العسكرية اللبنانية بشكل مباشر، عبر توجيه اتهامات وطرح مطالب تتجاوز الإطار العسكري إلى مستويات سياسية حساسة. وفي هذا الإطار، نقلت القناة 12 الإسرائيلية دعوة صريحة لإقالة قائد الجيش العماد ردولف هيكل، معتبرة أنّه "يرفض مواجهة حزب الله"، ومشيرة إلى "حاجة ملحّة لاتخاذ إجراءات أكثر حزمًا". كما تحدّثت عن ضرورة انخراط رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل حول الترتيبات الأمنية على الحدود، تمهيدًا لاتفاق أوسع لاحقًا.
هذا التصعيد في الخطاب يعكس تحوّلًا نوعيًا في طبيعة الضغوط، ويفتح الباب أمام مرحلة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الأجندات الخارجية مع التوازنات الداخلية الدقيقة التي تحكم القرار اللبناني.
في هذا السياق، يكشف الخبير العسكري العميد الركن المتقاعد هشام جابر، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، عن معطيات مقلقة تتعلق بالمرحلة المقبلة، مشيرًا إلى أنّ التصعيد قد يتجه نحو خطوات أكثر خطورة خلال الأيام المقبلة، مع احتمال توسّع دائرة الأهداف لتشمل مواقع مرتبطة بـ"حزب الله"، من دون استبعاد أن يطال ذلك الجيش اللبناني نفسه.
ويؤكد جابر أن الجيش الإسرائيلي لا يضع ضوابط صارمة في استهدافاته، مستشهدًا بما جرى سابقًا من استهدافات طالت قوات "اليونيفل"، ما يعكس، برأيه، أن المؤسسة العسكرية اللبنانية قد تكون ضمن بنك الأهداف في أي لحظة، خصوصًا في ظل الضغط المتزايد عليها للقيام بدور يتصل بنزع سلاح "حزب الله".
ويطرح جابر تساؤلات جوهرية حول سيناريو توسّع العمليات جنوبًا، لا سيما في حال سعت إسرائيل إلى الوصول نحو نهر الليطاني، متسائلًا عن موقع الجيش اللبناني المنتشر في تلك المنطقة، وما إذا كان سيبقى في مواقعه أو سيُطلب منه الانسحاب، في ظل تعقيدات ميدانية وسياسية كبيرة.
في المقابل، يشدد جابر على "أهمية الحفاظ على تماسك المؤسسة العسكرية"، معتبرًا أن "الزجّ بالجيش في مواجهة مباشرة أو تحميله أدوارًا تتجاوز قدرته أو صلاحياته قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، تصل حدّ تهديد بنيته ووحدته الداخلية".
كما يحذّر من ضغوط خارجية، لا سيما أميركية، قد تتجه نحو فرض تغييرات داخل المؤسسة العسكرية، معتبرًا أن "أي خطوة من هذا النوع قد تكون لها تداعيات سلبية على الاستقرار اللبناني".
ومن جهة ثانية، يوضح مصدر عسكري مطّلع، في حديث إلى "ليبانون ديبايت"، أنّ "الجيش اللبناني يعمل ضمن إطار واضح، حيث يخضع للقرار السياسي للدولة، ولا يمكنه تنفيذ أي خطوة خارج هذا الإطار أو الاستجابة لإملاءات خارجية، مشددًا على أنّ "المؤسسة العسكرية لا تبادر إلى اتخاذ قرارات استراتيجية من هذا النوع، بل تلتزم بتنفيذ ما تقرره السلطة السياسية".
ويرى أنّ "التصويب على قائد الجيش أو التلويح بإجراءات بحقه، يتجاوز البعد الشخصي ليشكّل استهدافًا مباشرًا للدولة اللبنانية ومؤسساتها"، لافتًا إلى أنّ "إسرائيل تدرك طبيعة النظام اللبناني وتعقيداته، وأن أي قرار من هذا النوع يرتبط بتوازنات داخلية دقيقة".
ويشير المصدر إلى أنّ "لبنان يواجه معادلة حساسة، تقوم على توازنات طائفية وسياسية تجعل من الصعب اتخاذ قرارات أحادية في ملفات كبرى، كحصرية السلاح أو إعادة رسم قواعد الاشتباك، من دون توافق وطني شامل وخارطة طريق واضحة".
ويضيف أنّ "الدولة تعتمد حاليًا سياسة الاحتواء، تفاديًا لأي انفجار داخلي، في ظل مخاوف جدية من أن يؤدي أي قرار غير مدروس إلى توترات قد تهدد السلم الأهلي، خصوصًا في ظل الانهيار الاقتصادي المستمر وتراجع الثقة بالمؤسسات".
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو المرحلة المقبلة مفتوحة على احتمالات متعددة، بين تصعيد ميداني قد يطال أكثر من جهة، وضغوط سياسية متزايدة لإعادة رسم دور الدولة ومؤسساتها. وفي قلب هذه المعادلة، يبقى الجيش اللبناني أمام اختبار دقيق، بين الحفاظ على تماسكه الداخلي، ومواجهة ضغوط خارجية تسعى إلى تغيير قواعد الاشتباك في لبنان