تهديد إسرائيل لمعبر المصنع يخنق لبنان... حتى لو لم ينفذ؟
فرض الشلل نفسه على حدود لبنان البرية عند نقطة المصنع، منذ ليل السبت – الأحد، على أثر تهديد إسرائيل الطريق الممتد بين معبر المصنع على الجانب اللبناني من الحدود ومعبر جديدة يابوس في سوريا، وإنذارها المتواجدين في المنطقة كي يخلوها "لأن الجيش يعتزم تنفيذ غارات على الموقع في وقت قريب".
بررت إسرائيل تهديدها بأن "المعبر يُستخدم من قبل "حزب الله" لأغراض عسكرية وتهريب وسائل قتالية". إلا أنه في الواقع يطرح أبعادًا إضافية تتصل بطبيعة هذا المعبر ووظيفته، خصوصًا أن معبر المصنع يشكل حاليًا المنفذ الأساسي وشبه الوحيد لتدفق الأفراد والبضائع، وبالتالي فإن تعطيله يبدو أقرب إلى محاولة خنق برّي للبنان.
هذا في وقت فقدت مجمل المنافذ البرية وظيفتها الأمنية السابقة بالنسبة لـ "حزب الله"، في ظل التحولات التي شهدتها الساحة السورية بعد سقوط نظام الأسد، ومع تشدد السلطة الحالية المناوئة له في ضبط الحدود. وهذا ما يطرح السؤال حول خلفيات التهديد وأهدافه الفعلية.
تهديد بمفعول تفجير
حتى بعد ظهر يوم أمس الإثنين لم تكن إسرائيل قد نفذت تهديدها بعد. وفيما تحدثت معلومات صحافية عن اتصالات حصلت على مستويات دولية لتجميد هذه العملية خلال اليومين الماضيين، نقل عن المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير قوله إن هناك ضمانة دولية متوقعة لتجميد العمليات الإسرائيلية على المصنع، نتيجة لجهود بذلتها مصر مع إسرائيل وأميركا، بالإضافة الى جهود تبذلها سورية من أجل إعادة فتحه.
ولكن حتى لو لم يعقب التهديد استهداف فعلي، فإن مفاعيله الميدانية حتى إعداد هذا التقرير جاءت بحجم الضربة نفسها. حيث انقطعت حركة عبور السيارات أو الأفراد أو حتى الشاحنات على الطريق المهدد منذ الساعة العاشرة من مساء يوم السبت. وهو ما بدّل وجه المعبر، الذي يعتبر شريانًا حيويًا يربط لبنان بسوريا ومنها إلى محيطه العربي. وتحوّل مسرحًا لحركة رسمية وأمنية ناشطة في محاولة لاحتواء التداعيات وإيجاد مخارج، ولا سيما لتأمين مرور الشاحنات.
إلى حالة الطوارئ در
منذ اللحظة الأولى للتهديد، تعاملت الجهات الرسمية اللبنانية معه كخطر قائم، وسارعت إلى إخلاء المراكز الأمنية والإدارية، ونقل الموقوفين من نظارات مركز قوى الأمن الموجود في المنطقة، في مشهد عكس انتقال المعبر خلال ساعات من حالة العمل الطبيعية إلى حالة طوارئ مكتملة.
وقد ترافق ذلك مع إخلاء المؤسسات الخاصة، وإجراءات احترازية واسعة، فيما نقل الدفاع المدني معداته إلى مناطق قريبة تحسّبًا لأي استهداف، وكذلك طُلب من السكان القاطنين في محيط المنطقة اتخاذ تدابير وقائية.
هذا في وقت تركز جهد جهاز الجمارك تحديدًا على امتصاص التداعيات التي خلّفها التهديد بالنسبة للشاحنات الداخلة إلى لبنان، سواء عبر الترانزيت أو من سوريا مباشرة.
فجزء كبير من هذه الشاحنات، كان متواجدًا في المنطقة التي حدّدتها إسرائيل بالحمراء ليل السبت. وعليه انصبّت الجهود على تفريغ ما تيسّر في الباحة الجمركية الكائنة خلف المنطقة المهددة لجهة الأراضي اللبنانية، ونقل جزء من الشاحنات المكدّسة فيها إلى باحة التصدير خلف مركز الأمن العام اللبناني، تسهيلًا لعملية سحب الشاحنات المركونة على الطريق الدولي إلى الباحة اللبنانية. هذا في وقت اختار سائقو بعض هذه الشاحنات العودة بها إلى سوريا، قبل أن تغلق الأخيرة حدودها أيضًا.
إجراءات على قد الحال
حتى صباح أمس، كانت الجمارك اللبنانية قد نجحت بسحب معظم الشاحنات العالقة على الطريق. إلا أن العملية لم تكن سهلة، وقد شابتها في الساعات الأولى حالة من الهرج والمرج، التي استغلها بعض المخلصين، في محاولة لتخطي الإجراءات الحدودية، والموضوع لا يزال قيد المتابعة والتحقيق.
في المقابل لم يُخفف عدم تنفيذ التهديد من وطأة المشهد. بل أبقى المنطقة في حالة ترقب مفتوح، وهو تسبب بمخاوف من أن يطال التهديد البنية التشغيلية للمعبر نفسه، في ظل خسائر حتمية يخشاها مستوردو البضائع ومصدروها، جراء تعطل حركة الشاحنات، والتي تبيّن أن بعضها عالق على الحدود منذ 4 آذار الماضي.
مستويان من التداعيات المرتقبة
ما يكسب هذا التعطيل ثقله الإضافي هو غياب البدائل لمعبر المصنع البري في منطقة البقاع. فمعابر لبنان الأخرى إما غير مجهّزة لاستقبال البضائع، كما في القاع، أو متوقفة منذ أشهر، كما في العريضة والدبوسية. وهو ما يجعل معبر المصنع فعليًا المنفذ البري الوحيد العامل للبنان. وبالتالي فإن إقفاله يلامس حدود فرض الحصار البرّي الواقعي على لبنان.
علمًا أن التداعيات الملموسة لمثل هذا الواقع تبدو على مستويين متداخلين: الأول قريب المدى، يتمثل بالخسائر المباشرة الناتجة عن تعطّل الشاحنات وحركة الترانزيت، وما يستدعيه ذلك من تحرّك رسمي لمعالجة الأزمة اللوجستية.
وفي هذا الإطار برزت يوم أمس زيارة العميد مصباح خليل رئيس المجلس الأعلى للجمارك إلى منطقة المصنع، حيث أشرف على الإجراءات والترتيبات الاستثنائية التي فرضها التهديد. وقال في تصريح للصحافيين "إن مراقبي الجمارك وإدراييها يعملون مع الوزارات المعنية على تسهيل دخول الشاحنات وفقا للأولويات وخصوصًا بالنسبة للمواد الغذائية والحاجات الضرورية. مشيرًا إلى أن هناك 300 شاحنة باتت موجودة في المنطقة الآمنة حاليًا، وسنعمل على تسهيل أمورها". وأكد خليل أن "الإجراءات تسير بشكل طبيعي. ونسهل بالأمور العادية والاستثنائية تحت سقف القانون".
أما المستوى الثاني من التداعيات فهو أطول مدى، ويرتبط بالمدة الزمنية التي سيستغرقها إقفال الحدود سواء في سوريا أو في لبنان، والذي ذكر خليل أنه مرتبط بقرار سياسي.
وهذا ما يطرح السؤال ما إذا كان لبنان سيبقى رهينة الترقب أو سينجح في انتزاع تطمينات رسمية تضع حدًا لهذا التهديد. علمًا أن "المصنع"، وإن كان نقطة حدودية لبنانية، إلا أن تأثيره يتجاوز الجغرافيا المباشرة ليطال شبكة واسعة من المناطق المرتبطة بحركة الاستيراد والتصدير، ما يجعل من تعطيله مسألة ذات تداعيات إقليمية ووطنية في آن