الملك العام ليس غنيمة.. والمدينة ليست ساحة نزاع
كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
تعقيباً على مقالة "بين حق الرزق..وضرورة النظام في صيدا"
مقالة تناولت ملف البسطات والعربات في صيدا، والتي حاولت أن تقدّم مقاربة “متوازنة” بين حق الناس في العمل وحق المدينة في التنظيم. وهي محاولة تُحسَب لها في الشكل، لكنها تبقى ناقصة في الجوهر، لأنها تتفادى السؤال الأساس:
ما هو موقع الملك العام في كل هذا النقاش؟
حين يُطرح الموضوع على أنه مجرد “تنظيم للفوضى”، نكون قد تجاوزنا أصل المشكلة. فالقضية ليست فقط في سوء تنظيم، بل في تحوّل التعدّي على الملك العام إلى أمر واقع يُراد تثبيته أو "قوننته " او تشريعه .
المسألة أعمق من ذلك بكثير، وهنا لا بد من التوضيح
في أصل الفكرة، الملك العام لم يُخلق ليكون مساحة رزق خاص، بل فضاءً مشتركاً للجميع. الرصيف وُجد للمشاة، الطريق للحركة، والساحة للمدينة بأكملها. هو حق جماعي لا يُملّك ولا يُحتكر، ولا يجوز أن يتحول مع الوقت إلى واقع مفروض بقوة الحاجة أو التساهل.
من هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نمنع أو نسمح؟
بل: متى أصبح التعدي حقاً؟ ومتى صار الاستثناء قاعدة؟
حين نقبل بأن يحتل أحدهم الرصيف ليبيع، فإننا عملياً ننتزع هذا الحق من مئات الناس الذين يستخدمونه يومياً. وحين نغض النظر عن ذلك تحت عنوان “الظروف”، فإننا نؤسس لعرف خطير يضرب مبدأ المساواة، ويفتح باب الاستنسابية والمحسوبيات: يُسمح لزيد ويُمنع عمر، بلا معيار واضح ولا عدالة.
لكن، وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أخرى لا تقل أهمية: هناك آلاف من الناس يدفعهم الانهيار الاقتصادي إلى الشارع، لا حباً بالفوضى، بل بحثاً عن البقاء. هؤلاء ليسوا خصوماً للنظام، بل ضحايا ظرف قاسٍ.
وهنا تكمن المفارقة الصعبة.
أصحاب العربات مظلومون اقتصادياً، لأنهم يعملون في هامش غير مستقر، بلا حماية ولا ضمان.
وأصحاب المحلات مظلومون قانونياً، لأنهم يدفعون كلفة الالتزام، ثم يُنافسهم من يعمل خارج أي إطار.
ولا يمكن لمدينة تحترم نفسها أن تعالج مظلومية عبر خلق مظلومية أخرى.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله:
هل يُطبَّق القانون فقط على الضعفاء وأصحاب الحاجة، فيما يُترك من يخالف القوانين بالكبيرة، ويهدر المال العام، ويُلوّث المدينة، بلا حسيب أو رقيب؟
هذا السؤال ليس اعتراضاً… بل تحذير.
لأن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي سلطة، هو أن تتحوّل هيبة القانون إلى انتقائية، فيُصبح صارماً على الضعفاء، ومتساهلاً مع من الاقوياء.
نحن لا نقبل بهذا المنطق.
ولا يمكن أن يُطلب من الناس احترام القانون، إذا لم يَرَوا أنه يُطبّق على الجميع، من دون استثناء.
ان تنظيم إشغال الملك العام لا يمكن أن يكون إجراءً معزولاً، بل يجب أن يأتي ضمن مسار أوسع يشمل:
⁃ مكافحة التعديات الكبرى،قبل الصغرى
⁃ وقف الهدر،
⁃ محاسبة كل من يعتدي على المال العام،
ووضع حد للفوضى بكل أشكالها، لا ببعضها.
فالعدالة لا تتجزأ،
والقانون لا يُطبَّق على مقاس الناس،
بل يُطبَّق ليحميهم جميعاً.
من هنا، فإن دور البلدية لا يمكن أن يكون انحيازاً لطرف على حساب آخر، بل إدارة هذا التوازن الدقيق: تثبيت هيبة القانون، وفي الوقت نفسه إدارة الواقع الاجتماعي بوعي ومسؤولية.
الملك العام ليس مباحاً، ولا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن غياب السياسات الاقتصادية.
الحل لا يكون في تكريس الفوضى تحت اسم التنظيم، ولا في القمع تحت اسم القانون، بل في مسار واضح يقوم على ثلاث ركائز:
أولاً، إعادة تثبيت أن إشغال الملك العام هو استثناء مؤقت لا حق مكتسب.
ثانياً، تطبيق القواعد بعدالة وشفافية ومن دون أي استنسابية.
ثالثاً، والأهم، خلق بدائل حقيقية تحفظ كرامة الناس، من خلال أسواق منظمة، ونقاط بيع محددة، وآليات عمل عادلة.
المدينة ليست ساحة صراع بين متعدٍ وملتزم، بل عقد مشترك بين الجميع.
والملكية العامة ليست غنيمة توزّع، بل أمانة يجب حمايتها.
في صيدا، نحن أمام اختبار حقيقي:
إما أن نكرّس منطق الأمر الواقع، حيث يصبح الأقوى هو من يحتل أكثر، وتستباح المدينة.
أو نعيد بناء فكرة المدينة، حيث يتساوى الجميع تحت سقف القانون.
والخيار في النهاية ليس بين الناس والقانون،
بل كيف نجعل القانون في خدمة الناس.