اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

المدن لا تنمو و تكبر بالخوف.. (بقلم المهندس محمد دندشلي)

صيدا اون لاين

كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:

في كل مرحلة من مراحل  الأزمات او القلق ، الذي يمر بها البلد ، يُرفع شعار “حماية المدينة” من خلال منع هذا أو ذاك من التملك فيها، أو من خلال إثارة المخاوف من انتقال في ملكية العقارات او الشقق إلى أشخاص ينتمون إلى طائفة أو منطقة أو توجه سياسي مختلف.

قد يبدو هذا الخطاب للوهلة الأولى تعبيراً عن الحرص على هوية المدينة أو خصوصيتها، لكنه في جوهره يعكس خوفاً من الآخر أكثر مما يعكس ثقة بالنفس، والسؤال المطروح : هل نحمي مدننا بالانفتاح والقوة أم بالعزل والانغلاق؟

المدينة الحية النابضة، ليست تجمعاً بشرياً متشابهاً يخشى الاختلاف، بل فضاءً عاماً يتسع لجميع أبنائه ولكل من يختار العيش فيه واحترام قوانينه والمساهمة في نهضته. 
أما عندما تتحول الملكية الخاصة إلى أداة للفرز الطائفي أو السياسي، فإننا ننتقل تدريجياً من منطق الدولة والوطن إلى منطق الدويلة والجماعات المغلقة.

ولنكن واقعيين؛ فمثل هذه الدعوات ليست قابلة للتطبيق أصلاً. ففي مجتمع متداخل كالمجتمع اللبناني، كيف يمكن ضبط حركة البيع والشراء بين الناس؟ 
ومن يملك حق تحديد هوية المشتري المقبول أو المرفوض؟

وهل يصبح المواطن بحاجة إلى إذن من جماعته قبل أن يبيع منزله أو يشتري عقاراً؟

إن الملكية حق فردي يكفله القانون، وليست حقاً جماعياً تحتكره طائفة أو حزب أو عائلة. 
ومن المعلوم ان الملكية العقارية شكلت تاريخياً راس مال العائلات اللبنانية ،و كما ان المدن لم تُبنَ عبر التاريخ على أساس نقاء سكاني أو مذهبي، بل ازدهرت لأنها كانت نقاط لقاء وتبادل وتفاعل بين الناس.

ولعل المفارقة أن أصحاب هذا الخطاب يرفضون أن يتعرض أبناؤهم للتمييز في أماكن أخرى، لكنهم يقبلون به عندما يتعلق الأمر بالآخرين. والحال أن المبدأ لا يتجزأ؛ فإما أن يكون حق التملك مكفولاً لجميع المواطنين، أو يصبح الجميع عرضة للتمييز وفق موازين القوى المحلية.

أما الخوف على هوية المدن، فهو هاجس مشروع حين يرتبط بالحفاظ على التراث والعمران والذاكرة الثقافية والتنمية المتوازنة. لكن معالجة هذه الهواجس لا تكون بمنع الناس من التملك، بل عبر التخطيط المدني السليم، وحماية الأبنية التراثية، وتحسين الخدمات، وتعزيز الاقتصاد المحلي، وخلق فرص العمل التي تشجع أبناء المدينة على البقاء والاستثمار فيها.

إن المدن الواثقة من نفسها لا تخاف من القادمين إليها، بل تجعلهم جزءاً من نجاحها. أما المدن التي تبني الأسوار النفسية حول ذاتها، فإنها تتحول مع الوقت إلى جزر معزولة تفقد حيويتها ودورها.

لبنان اليوم يحتاج إلى مزيد من الجسور لا إلى مزيد من المتاريس، وإلى مواطنين تجمعهم حقوق متساوية لا إلى جماعات تتبادل المخاوف. فالأوطان لا تُبنى بالخوف من الآخر، بل بالثقة بالنفس، واحترام القانون، والإيمان بأن التنوع مصدر قوة لا سبباً للقلق.

المدينة القوية ليست تلك التي تمنع الآخرين من الدخول إليها، بل تلك التي تجعل كل من يدخلها يرغب في أن يكون جزءاً من مستقبلها.

تم نسخ الرابط