من "اليونيفيل" إلى لجان التحقق... هل تتغير وظيفة الرقابة في جنوب لبنان؟
ينتقل البحث في مرحلة ما بعد «اليونيفيل» من مصير القوة الدولية إلى هوية البديل وصلاحياته، مع تداول صيغة أوروبية ولجان تحقق قد تتولى مهامَّ تتجاوز مراقبة القرار 1701 إلى التحقق من حصرية السلاح جنوب الليطاني. وبينما تبدو مسألة عدم التمديد شبه محسومة، تتركز العقدة على حدود دور القوة الجديدة، وعلاقتها بالجيش اللبناني، وما إذا كانت ستكتفي بالتحقق من النتائج أم تشارك في الإشراف على التنفيذ.
قوة أوروبية قيد البحث
ويقول مدير مركز الاستشراف الإعلامي عباس ضاهر لـ«الشرق الأوسط»، إن «موضوع عدم التمديد لـ(اليونيفيل) أصبح اليوم بحكم المؤكد، رغم المحاولات الأخيرة التي جرت مع إيطاليا للدفع مجدداً في اتجاه التمديد. لكن زيارة رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى إيطاليا، والزيارة التي يقوم بها قائد الجيش، رودولف هيكل، حالياً لاستكمال البحث في الأمور التنفيذية، فتحتا عملياً النقاش حول القوة التي يمكن أن ترث (اليونيفيل) في جنوب لبنان، سواء تحت إطار لجان تحقق أو قوة يكون عمادها أوروبياً».
ويوضح ضاهر أن «البحث جارٍ حالياً في هذا الموضوع، والأوروبيون، وفي مقدمهم إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، وربما ألمانيا، يدرسون تأسيس قوة يكون عمادها أوروبياً لاستكمال المهام في جنوب لبنان، مع مساعٍ لتسويق هذه الصيغة دولياً كي تتشكل بعد (اليونيفيل) ضمن إطار جديد يتم الاتفاق عليه».
أما ما يتعلق بلجان التحقق «فهناك طرح بأن يكون للأميركيين دور فيها، وتحديداً في ملف حصرية السلاح ومراقبة كيفية التنفيذ، ولا يزال النقاش مع الأميركيين مفتوحاً».
مركبات تابعة لقوات «اليونيفيل» قرب موقع إسرائيلي في منطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبات تابعة لقوات «اليونيفيل» قرب موقع إسرائيلي في منطقة كفرشوبا في أقصى جنوب شرقي لبنان (أرشيفية - أ.ف.ب)
مقترح إيطالي من 4 صفحات
وفي موازاة ذلك، أفادت وسائل إعلام محلية بأنها اطّلعت على مقترح إيطالي من أربع صفحات لمرحلة ما بعد «اليونيفيل»، يقوم على حضور دولي محدود العدد وأكثر فاعلية، ويركز على دعم الجيش وحماية المدنيين، ودعم آلية وقف الأعمال العدائية، والمساهمة المحتملة في تدابير لنزع السلاح إذا جرى التوافق عليها سياسياً، إلى جانب خفض التصعيد والمراقبة ورفع التقارير.
هوية القوة ومرجعيتها ومهمتها
ولا ينفصل النقاش حول هوية القوة عن السؤال المتعلق بمرجعيتها ومهمتها وصلاحياتها. وعن الفارق بين القوة الجديدة و«اليونيفيل»، يقول ضاهر إن «مهام (اليونيفيل) كانت محددة بموجب القرار الدولي والقرار 1701. وإذا تقرر إنشاء أي قوة دولية جديدة، فستكون في الأساس أوروبية أو ذات انطلاقة أوروبية، وسيكون هناك إصرار لبناني على استنساخ تجربة أو مضمون القرار 1701 فيما يتعلق بطبيعة عملها. لكن السؤال يدور حول ما إذا كان ذلك سينجح أم ستُفرض تعديلات؛ لأن واشنطن تريد أن تكون لأي لجنة صفة تنفيذية أكبر، تحت ضغط إسرائيلي في هذا الاتجاه».
آليات لـ«اليونيفيل» تعبر في بلدات لبنانية مدمرة قرب الحدود مع إسرائيل (أ.ف.ب)
آليات لـ«اليونيفيل» تعبر في بلدات لبنانية مدمرة قرب الحدود مع إسرائيل (أ.ف.ب)
ويتفق العميد المتقاعد فادي داود، مع ضاهر، على أن المسألة الأهم في المرحلة المقبلة لا تنحصر بالجهة التي ستخلف «اليونيفيل»، بل التحول في طبيعة الوظيفة الدولية نفسها، وما قد يترتب عليه من إعادة تعريف للعلاقة بين القوة الجديدة والجيش اللبناني.
ويقول داود لـ«الشرق الأوسط» إن «مسار إنهاء مهمة (اليونيفيل) أصبح عملياً أمراً واقعاً، رغم المحاولات اللبنانية التي بُذلت من أجل التمديد لها. فالتمويل يتجه إلى التوقف، والقرار بإنهاء وجودها اتُّخذ، وبدأت الدول المعنية ترتب أوضاع قواتها وتعويضاتها وإجراءات إنهاء المهمة. وبالتالي، أصبح السؤال الأساسي: من البديل؟ وبرأيي، ستكون الصيغة البديلة هي الصيغة التي تحظى بالموافقة الأميركية، مع دور أساسي محتمل لإيطاليا والأطراف الأوروبية المعنية«.
ويرى داود أن «التحول الأهم لا يتعلق فقط باسم القوة أو الجهة التي ستحل محل (اليونيفيل)، بل بطبيعة الوظيفة نفسها. نحن ننتقل، إذا صح التعبير، من قوات لحفظ السلام إلى لجان للتحقق، أي من مهمة مرتبطة بالقرار 1701 إلى آلية مختلفة تتناسب مع مرحلة ما بعد 1701 بصيغته التي عرفناها طوال السنوات الماضية».
حصرية السلاح مقابل الانسحاب
ويفصل الموقف اللبناني بين القبول بمبدأ التحقق جنوب الليطاني، والشروط السياسية والميدانية التي يجب أن ترافق تنفيذه، وفي مقدمها مسألة الانسحاب الإسرائيلي والتحقق من «حصرية السلاح».
ويقول ضاهر إنه «لا مشكلة للبنان في مضمون أي آلية للتحقق من حصرية السلاح في جنوب الليطاني؛ لأنه ملتزم بهذا الملف. لكن المشكلة الأساسية هي: هل سينسحب الإسرائيلي أم سيبقى في حالة احتلال؟ فإذا تحققت لجان التحقق، ووصل الجيش إلى مناطق معينة، وتأكد عدم وجود سلاح فيها، كما يحصل حالياً في بعض النواحي، فهل سيلتزم الإسرائيلي من جهته وينسحب؟ هنا يجب أن تكون هناك هيكلية واضحة للانسحاب الإسرائيلي، كما توجد هيكلية واضحة لحصرية السلاح في الجنوب».
من الناحية العسكرية، يضع داود حدود الصلاحيات في صلب النقاش؛ إذ إن الفارق بين التحقق من إنجاز الجيش للمهمة والمشاركة في الإشراف على تنفيذها قد يحدد قابلية أي صيغة جديدة للتطبيق.
ويشدّد داود على أن «النقطة الأكثر حساسية ستكون تحديد معنى التحقق وحدوده. هل تقتصر مهمة لجان التحقق على التأكد من أن الجيش اللبناني نفذ المهمة المطلوبة منه، أم أنها ستشارك عملياً في الإشراف على كيفية تنفيذها؟ هناك فارق كبير جداً بين الأمرين. فإذا وردت، على سبيل المثال، إفادة عن وجود مخزن سلاح في مكان معين، وتولى الجيش اللبناني المهمة وداهم الموقع، فهل تكتفي اللجنة بتلقي تقرير يؤكد تنفيذ المهمة والتحقق من نتيجتها، أم ترافق القوة العسكرية وتراقب عملية التفتيش ميدانياً بواسطة عناصر وكاميرات وأجهزة اتصال؟».
ويرى أن «هذه المسألة ليست تفصيلاً تقنياً، بل قد تكون أخطر نقطة في أي صيغة جديدة؛ لأن الجيش اللبناني لا يمكن أن يقبل بسهولة بوجود طرف أجنبي أو جهة من خارج هرميته العسكرية تشرف بهذه الدرجة على كيفية تنفيذه لمهماته أو توجهه خلال عمليات التفتيش. يمكن لجهة دولية أن تتحقق من تنفيذ المهمة ونتائجها، لكن الانتقال إلى الإشراف المباشر على التنفيذ قد يخلق إشكالات كبيرة وحساسة».