هرمز يضغط على جيب اللبناني… كلفة النقل البحري ترتفع مجدداً
قد يبدو مضيق هرمز بعيداً عن لبنان، لكن ما يحدث في هذا الممر البحري الحيوي يصل سريعاً إلى جيوب اللبنانيين، عبر ارتفاع أسعار النفط وكلفة نقل البضائع والتأمين عليها، وصولاً إلى البنزين والمازوت وفواتير المولدات وأسعار السلع الغذائية.
وفي تقرير حديث حول التحولات التي أصابت قطاع الشحن منذ اندلاع الحرب مع إيران، كشفت شركة "European Maritime Finance"، استناداً إلى بيانات "كلاركسونز" و"كبلر" و"بلومبرغ"، أن كلفة تشغيل ناقلات النفط العملاقة ارتفعت من متوسط بلغ نحو 58,500 دولار يومياً خلال عام 2025 إلى قرابة 230 ألف دولار، أي ما يقارب 4 أضعاف.
كما ارتفعت كلفة تشغيل ناقلات "سويزماكس"، وهي سفن كبيرة صُممت بأبعاد تسمح لها بعبور قناة السويس محمّلة وتحمل عادة نحو مليون برميل من النفط، من قرابة 58 ألفاً إلى 179 ألف دولار يومياً.
أما ناقلات "أفراماكس"، وهي أصغر حجماً وتُستخدم غالباً لنقل النفط بين الموانئ الإقليمية ولمسافات أقصر، فارتفعت كلفة تشغيلها من نحو 48 ألفاً إلى 100 ألف دولار يومياً.
وهذه الأرقام لا تعني ارتفاع سعر النفط نفسه، بل ارتفاع المبلغ الذي تتقاضاه شركات النقل البحري مقابل استخدام الناقلة ليوم واحد. وتضاف هذه الكلفة إلى ثمن الشحنة، إلى جانب الوقود والتأمين ورسوم الموانئ، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى المستورد ثم إلى المستهلك.
وبحسب التقرير، كان مضيق هرمز ينقل قبل الحرب نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، أي قرابة خُمس تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم. إلا أن حركة العبور تراجعت بشدة، إذ عبرت 5 سفن فقط في 25 آب، مقارنة بمتوسط بلغ 15 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة السابقة.
ودفع هذا الواقع الشركات إلى اعتماد حلول أكثر كلفة، بينها نقل النفط من ناقلة إلى أخرى خارج المنطقة الخطرة، وتحويل مسارات بعض السفن حول رأس الرجاء الصالح في أقصى جنوب أفريقيا بدلاً من المرور بالطرق الأقصر. وهذا يعني رحلة أطول، واستهلاك كمية أكبر من الوقود، ودفع أجور وتأمين إضافيين.
وتظهر أسعار السفن أن شركات الشحن لا تتعامل مع الأزمة باعتبارها عابرة. فقد ارتفعت قيمة ناقلة نفط عملاقة يبلغ عمرها 5 سنوات من 120 مليون دولار في نهاية 2025 إلى نحو 157 مليوناً، فيما ارتفعت قيمة ناقلة "سويزماكس" مماثلة من 80 مليوناً إلى 108 ملايين دولار.
بالنسبة إلى لبنان، تبدأ الانعكاسات من المحروقات. فقد أظهر جدول وزارة الطاقة والمياه الصادر الجمعة ارتفاع سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان إلى 2,602,000 ليرة، بزيادة 31 ألفاً، وصفيحة البنزين 98 أوكتان إلى 2,620,000 ليرة، فيما ارتفع سعر صفيحة المازوت إلى 2,474,000 ليرة، بزيادة 28 ألفاً.
لكن المشكلة لا تتوقف عند محطة الوقود. فالمازوت يدخل في تشغيل المولدات والشاحنات والمصانع والمزارع، ما يعني أن ارتفاعه ينتقل إلى فاتورة الكهرباء الخاصة وكلفة النقل والإنتاج. كما أن زيادة أجور السفن والتأمين ترفع كلفة استيراد القمح والزيوت والأدوية والمواد الأولية والسلع الاستهلاكية.
وبكلام أبسط، عندما يدفع المستورد مبلغاً أكبر لنقل بضاعته إلى لبنان، يضيف هذه الكلفة إلى سعرها، فتصل الزيادة في النهاية إلى المواطن عند السوبرماركت والصيدلية ومحطة الوقود وعند تسديد فاتورة المولد.
ولا يمكن حتى الآن تحديد نسبة موحدة للارتفاع المتوقع، لأن تأثير الأزمة يختلف وفق نوع السلعة وبلد المنشأ ومسار السفينة وموعد توقيع عقد الشحن وحجم المخزون الموجود في لبنان. وقد تتأخر بعض الزيادات إلى حين وصول شحنات جديدة جرى التعاقد عليها وفق الأسعار المرتفعة.
غير أن الخطر اللبناني لا يقتصر على الزيادة العالمية الفعلية، بل يشمل احتمال استغلالها داخلياً لرفع الأسعار بنسب تفوق كلفة الاستيراد الحقيقية، في ظل ضعف الرقابة وغياب الشفافية بشأن فواتير الشحن والتأمين وهوامش أرباح المستوردين والتجار.
وهكذا، لا يبقى اضطراب هرمز خبراً دولياً بعيداً، بل يتحول تدريجياً إلى صفيحة بنزين أغلى، وفاتورة مولد أعلى، وكلفة نقل إضافية، وموجة جديدة من الغلاء على رفوف المتاجر.