من علي الطاهر إلى الريحان... إلى أين تُريد إسرائيل الوصول؟
ليست المرتفعات مجرّد نقاط على الخريطة، فكلّ قمّة تحتلّها إسرائيل قد تعني عيناً تُراقب، ومحوراً يُكشف، وورقة جديدة تُضاف إلى الميدان. واليوم، يبرز اسم جبل الريحان، بارتفاع يصل إلى 1300 متر وموقع يتوسّط عقدة حسّاسة من المرتفعات الجنوبية. فهل بات الجبل في دائرة الحسابات الإسرائيليّة؟ وماذا يعني عسكرياً أن تقترب إسرائيل منه؟
يشرحُ القائد السّابق لمنطقة الجنوب العسكرية العميد المتقاعد د. خليل الجميّل، أن "جبل الريحان عقدة جبليّة استراتيجية يتراوح ارتفاعها بين 1100 - 1300متر عن سطح البحر، وتمنح إشرافاً واسعاً على أجزاءٍ واسعة من جبل عامل والنبطيّة والعمق الجنوبي. ويتموضع الجبل ضمن كتلة مرتفعات متّصلة تربطه بإقليم التفاح وجزين شمالاً، والبقاع الغربي شرقاً، ومحيط وادي الليطاني جنوباً"، معتبراً، في مقابلة مع موقع MTV، أنّ "أهميّته العسكرية تكمن في قدرته على توفير الرّصد والتأثير في بعض محاور الحركة، ولا سيّما باتجاه النبطيّة ووادي الخردلي، فيما تتراجع قدرته على المراقبة شمالًا بسبب مرتفعات أعلى، أبرزها جبل صافي. كما تزيد الأحراج الكثيفة والتّضاريس الوعرة من صعوبة الاقتراب منه والتّمركز فيه، ممّا يجعله نقطة ارتكاز حاكمة مهمّة ضمن منظومة مرتفعات جنوب لبنان".
ولكن هل يعني التقدّم إلى مرتفعات علي الطاهر أنّ الطريق أصبحت مفتوحة عسكرياً نحو الريحان وإقليم التفاح؟ يُجيب الجميّل: "لا يعني التقدّم الى مرتفعات علي الطاهر انه فتح طريقاً عسكرياً مباشراً نحو جبل الريحان، بل يزيل عقبة ضمن محور التوسّع باتجاه الشمال والشرق. فالمسافة بين المرتفعين، وطبيعة الأرض الفاصلة، تجعل أيّ هجوم مباشر عمليّة صعبة، إذ يتطلّب التقدّم صعوداً وجهياً عبر سفوح واسعة ووعرة يُرجّح أنها محصّنة ومهيأة دفاعيّاً منذ سنوات. لذلك، فإنّ السيطرة على علي الطاهر لا تعني القدرة تلقائياً على السّيطرة على سلسلة الريحان وإقليم التفاح"، مُضيفاً "إذا قرّرت إسرائيل التمدّد نحو الريحان، فمن المرجّح عسكرياً أن تعتمد التوسّع الجانبي والتدريجيّ وربط المرتفعات ضمن محور دبين – بلاط – الدلافة – كفرحونة - عرمتا - الريحان، بدل شنّ هجوم جبهي مباشر من علي الطاهر، وهو نمطٌ ينسجم مع طريقة السّيطرة المتدرّجة على المرتفعات وعقد الحركة التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي حالياً".
وفي حال الوصول إلى جبل الريحان، تتسع أهمية الموقع لناحية الرصد والمراقبة. وفي هذا السياق، يوضح الجميّل أن "الوصول إلى جبل الريحان يمنح قدرة أوسع على المراقبة باتجاه النبطيّة وبعض محاور الحركة نحو إقليم التفاح وجزين، كما يجعل الطرق الجبلية بين جرجوع وجباع ومليخ أكثر عرضة للرصد والاستهداف. لكنّ السيطرة على المرتفع لا تعني التحكم الكامل بالأرض المحيطة، بسبب طبيعة المنطقة الوعرة وكثرة الأودية والأحراج والمسارات البديلة".
أما فرضيّة أن تكون إسرائيل أمام محاولة للسيطرة على سلسلة من المرتفعات بهدف خلق عمق أمنيّ جديد داخل لبنان، فيرى الجميّل أن "هذا الاحتمال يبقى قائماً لما توفّره من رصدٍ وإنذار مبكر وقدرة على التأثير في الحركة داخل العمق الجنوبي. لكن في الوضع الراهن، تبقى هذه الفرضيّة موضع شكٍّ بسبب الكلفة العسكريّة والبشريّة الكبيرة لأيّ توسّع إضافي، خصوصاً خارج نطاق العمليّات الحالية. لذلك قد يكون الأرجح الاكتفاء بمواقع محدّدة ذات قيمة استراتيجيّة مثل مرتفعات علي الطاهر، واستخدامها كأوراق ضغط ومواقع مراقبة في أيّ ترتيبات أو مفاوضات لاحقة".
لكن السيناريو يُصبح مختلفاً في حال الوصول فعلياً إلى الريحان وتثبيت وجود عسكري فيه. ويقول الجميّل: "إذا وصلت إسرائيل فعليًا إلى الريحان، فستكون قد توغلت في منطقة جبليّة واسعة وصعبة، وقد تنتقل المعركة من السّيطرة على المرتفعات الأماميّة إلى القدرة على التحكّم بعقد جبليّة داخليّة تربط عدة محاور. عندها قد يتحوّل جبل الريحان وإقليم التفاح إلى جزءٍ من عمق أمني جديد قائم على المرتفعات. كما سيكتسب الريحان أهمية كورقة عسكرية وسياسية في أيّ تفاوضٍ لاحق، لكن الاحتفاظ به أو التقدم نحو مرتفعات أخرى سيبقى مرتبطًا بكلفة كبيرة وصعوبة التحرّك في هذه التضاريس".
من علي الطاهر إلى الريحان، قد تتبدّل الأسماء والمرتفعات، لكنّ الثابت أنّ أيّ تقدّم إسرائيلي داخل الأراضي اللبنانيّة هو احتلالٌ لا يمكن أن يتحوّل إلى أمرٍ واقع. والمطلوب لبنانيّاً ألّا تُترك الجغرافيا للميدان كي يرسمها، بل أن تتحرّك الدولة بكل أدواتها السياسيّة والدبلوماسيّة والعسكريّة لحماية أرضها ومنع فرض حدود أمنيّة جديدة عليها