اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

من لقاء السفيرين إلى نيويورك وواشنطن... ماذا يحمل لبنان إلى جولة تشرين؟

صيدا اون لاين

تدخل المفاوضات ال​لبنان​ية-ال​إسرائيل​ية أسابيع فاصلة لا تشمل جولة رسمية، لكنها تبدو أكثر ازدحامًا من كثير من محطات المسار السابقة. فجولة ​روما​ التالية أُرجئت إلى تشرين الأول، وفي الفترة الفاصلة انعقد لقاء بين السفيرين اللبناني والإسرائيلي في ​واشنطن​، بينما تتحضر بيروت لأسبوع دبلوماسي مزدوج في ​نيويورك​ وواشنطن، على خلفية اجتماع ​باريس​ الذي بحث في دعم الجيش ومستقبل المرحلة التي تلي ​اليونيفيل​.
لا تشكّل هذه التحركات مسارًا واحدًا، ولا تخدم الغرض نفسه. ففي حين تبقى روما العنوان الرسمي للتفاوض المباشر، تؤدي واشنطن وظيفة إبقاء القناة السياسية مفتوحة بين الجولات، وتمنح نيويورك لبنان مساحة اتصالات أوسع مع أطراف دولية متعددة، فيما يبحث مسار باريس في قدرة الدولة على تنفيذ ما قد تتعهد به إذا تقدمت التسوية. ويبدو البلد إزاء ذلك، أمام ساحات دبلوماسية متداخلة تتصل ببعضها من دون أن تندمج في مسار واحد.

من هنا تصبح الفترة حتى تشرين تفاوضًا على شروط الجولة المقبلة بقدر ما هي انتظار لها. فلبنان يريد أن يصل إلى روما وقد عزز حجته بأن الدولة تتقدم جنوبًا وتحتاج إلى انسحاب إسرائيلي يتيح لها استكمال مهمتها، بينما تربط إسرائيل الانسحاب بتقدم في ملف السلاح والترتيبات الأمنية. فهل تتغير بيئة التفاوض خلال الأسابيع المقبلة، أم يعود الطرفان إلى الخلاف نفسه حول من يتحرك أولًا؟

واشنطن... إدارة الوقت لا حل العقد

في واشنطن، أدّى اجتماع السفيرة اللبنانية ​ندى حمادة معوض​ ونظيرها الإسرائيلي ​يحيئيل لايتر​ في الخارجية الأميركية وظيفة محددة ومحدودة في آن واحد، وهي إبقاء الاتصال قائمًا بعد تأجيل الجولة الرسمية، من دون أن يرتقي إلى مستوى الجولات الموسعة التي عُقدت سابقًا في روما. وقد تناول اللقاء التطورات في الجنوب، والاعتراضات المتبادلة، والتحضير لجولة روما المرتقبة في تشرين، وفق المعطيات الرسمية المتوافرة.

من هنا، تكمن قيمة هذا الاجتماع في أنه يكشف أن التفاوض تحوّل إلى جزء من إدارة الأزمة نفسها، لا وسيلة لحلها فقط. فتأجيل الجولة لم يعنِ تعليق الاتصالات، وغياب الاختراق لم يدفع أي طرف إلى إسقاط الإطار المعتمد، ما فُهِم منه بأنّ الوساطة الأميركية تتحرك بين جولتين لمنع الفراغ السياسي، أكثر مما تتحرك لإنجاز تسوية سريعة.

لكن إبقاء القناة مفتوحة لا يغيّر أن جولة آب في روما انتهت من دون تقدم يُذكر في القضايا الأساسية، وأن ما تحقق في واشنطن هو تمديد الوقت المتاح للوصول إلى صيغة، لا تقليص المسافة الفعلية بين الموقفين اللبناني والإسرائيلي. وهذا يجعل الأسابيع المقبلة مرحلة لاختبار ما إذا كان الوقت سيُستخدم لتحسين شروط الجولة المقبلة، أم لمجرد تأجيل الاصطدام بالعقد نفسها.

روما مؤجلة وليست ملغاة

ما يُفهم من لقاء واشنطن الذي انتهى من دون حلّ العقدة، هو أن العاصمة الأميركية لا تحل محل روما. فالجولة الثامنة، التي كان من المفترض عقدها هذا الأسبوع في العاصمة الإيطالية، لم تُلغَ، وإنما أُرجئت إلى تشرين الأول، وفق ما أعلنته الجهات الأميركية الراعية للمسار.

وبحسب ما نُقل عن مسؤول أميركي، ارتبط التأجيل بتضارب في المواعيد سببه التزامن بين الأعياد اليهودية، والاستعدادات للجمعية العامة للأمم المتحدة. وهذا يعني أن التأجيل لا يُقرأ في ذاته باعتباره انهيارًا للمسار، بقدر ما يفتح فترة فاصلة لم تكن محسوبة أصلًا ضمن الجدول التفاوضي.

الأهم من سبب التأجيل أثره. فالفترة حتى تشرين لم تعد مجرد انتظار، بل تحولت إلى مرحلة إعداد سياسي ودبلوماسي توازي في وظيفتها التفاوض المباشر. ويزداد هذا المعنى وضوحًا مع تقدير طرحه مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق ​ديفيد شينكر​، اعتبر فيه أن اتفاق الإطار لن يُحسم قبل الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول. وهو تقدير سياسي لا موقف رسمي، لكنه يعكس قراءة ترى أن عامل الوقت بات جزءًا من المعادلة لا مجرد ظرف محيط بها.
نيويورك وواشنطن... توسيع دائرة الاتصالات

هنا تدخل نيويورك على الخط، حيث يفتح ترؤس رئيس الحكومة ​نواف سلام​ وفد لبنان إلى اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة نافذة تختلف جوهريًا عن المفاوضات الثنائية المباشرة، في لحظة تتجاوز فيها وظيفة نيويورك مجرد المشاركة الدبلوماسية السنوية. وقد بحث مع رئيس الجمهورية ​جوزاف عون​ جدول أعمال الاجتماعات خلال لقاء جمعهما في قصر بعبدا، في مؤشر إلى تنسيق بين الرئاستين قبيل الاستحقاق الدبلوماسي.

لا تكمن قيمة نيويورك بالنسبة إلى لبنان في عدد اللقاءات، وإنما في محاولة ربط ملفات تتقدم دوليًا في مسارات منفصلة على غرار الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الاعتداءات، ودعم الجيش، وإعادة الإعمار، ومستقبل الترتيبات الأمنية بعد اليونيفيل. ويسمح فصل هذه القضايا لكل جهة دولية بالتعامل مع جزء منها، فيما تحتاج أي تسوية قابلة للتطبيق إلى رؤية العلاقة بينها.

في هذا السياق، كانت لافتة أيضًا إشارة بيان الرئاسة اللبنانية إلى اجتماع مرتقب في واشنطن للبحث في الأوضاع اللبنانية. لكنّ البيان لم يحدد مستوى الاجتماع أو الأطراف المشاركة فيه، ولذلك يبقى التعامل معه أقرب إلى تتبع مؤشر جديد على استمرار الانخراط الأميركي، لا إلى استنتاج مسبق عن حجمه أو نتائجه.

وفي مطلق الأحوال، يمنح هذا التداخل بين نيويورك وواشنطن بيروت مساحة لمحاولة تثبيت روايتها قبل العودة إلى روما: أن ملف الجنوب ليس مجرد جزء من صراع إقليمي أوسع، وإنما قضية سيادة وحدود تتطلب انسحابًا، وضمانات أمنية، وقدرة فعلية للدولة على الانتشار. غير أن الجمعية العامة تنعقد وسط ازدحام دولي كبير، من الحرب الأميركية-الإيرانية إلى غزة وأوكرانيا، ما يعني أن تحويل الحضور إلى مكسب سياسي يحتاج أكثر من كثافة اللقاءات.
باريس... من التعهد إلى القدرة

قبل هذه المواعيد والاستحقاقات، كان اجتماع باريس المخصص للإعداد لمؤتمر دولي لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي يضيف بعدًا مختلفًا إلى النقاش: ماذا تستطيع الدولة اللبنانية أن تنفذ فعليًا إذا تقدمت التسوية؟

تناول البحث احتياجات الجيش، والفجوة المحتملة مع بدء انسحاب اليونيفيل التدريجي بعد نهاية العام الحالي، والخيارات المطروحة لدعم المؤسسة العسكرية بعد تقلص الدور الدولي الحالي. وهنا تصبح العلاقة واضحة بين المسارين الأمني والدبلوماسي: أي اتفاق يحتاج إلى جهة قادرة على تنفيذه على الأرض، لا إلى صيغة سياسية وحدها.

لم يُثبَّت بعد شكل نهائي للدعم المطلوب، إذ لم تنتج باريس مؤتمر مانحين نهائيًا أو صيغة مكتملة لما بعد اليونيفيل، وما زال البحث في تحديد الاحتياجات وشكل المساندة الدولية، فيما يُرجح عقد مؤتمر المانحين في مرحلة لاحقة. مع ذلك، خرج لبنان من باريس بتثبيت دولي للحاجة إلى تعزيز قدرات الجيش والمؤسسات الأمنية، وهو عنصر يمكن أن يراكمه قبل الذهاب إلى روما، حتى لو لم يتحول بعد إلى قدرات جاهزة.

المفارقة أن هذا المسار يرفع أيضًا سقف ما يُنتظر من الدولة. فكلما ازداد الحديث عن دعم الجيش، ارتفع معه السؤال عن قدرته على الانتشار، وعن المدى الذي تستطيع فيه الدولة تحويل الدعم الخارجي إلى سلطة فعلية على الأرض. بذلك يتحول باريس من محطة مساندة إلى جزء من اختبار صدقية الالتزامات اللبنانية نفسها.

إلى تشرين... ماذا يتغير على الطاولة؟

عندما تعود الوفود إلى روما، لن يكون المعيار عدد الاجتماعات التي سبقتها، وإنما ما أضافته إلى عناصر التفاوض. اجتماع واشنطن المرتقب سيكشف طبيعة الانخراط الأميركي في المرحلة الفاصلة، واتصالات نيويورك ستظهر حجم الغطاء السياسي الذي يستطيع لبنان جمعه، فيما سيبيّن المسار الذي بدأ في باريس ما إذا كان دعم الجيش ينتقل من إعلان الحاجة إليه إلى التزامات قابلة للتنفيذ.

لكن العقدة التي لم تتحرك رغم كل هذا النشاط تبقى نفسها: من يتحرك أولًا. فلبنان يضع الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات في مقدمة ما يتيح للدولة استكمال بسط سلطتها جنوبًا، بينما تربط إسرائيل خطواتها بما تعتبره ضمانات كافية على مسار حصرية السلاح. وهكذا تبقى مشكلة الترتيب والتزامن في قلب المفاوضات، لا على هامشها.

يزيد الميدان من صعوبة هذه المعادلة. أي اتساع في الاعتداءات الإسرائيلية، أو تغيير في الوقائع جنوبًا، أو تعثر في تقدم مؤسسات الدولة، قادر على تبديل جدول الأولويات قبل تشرين. لذلك تتحرك الدبلوماسية خلال الأسابيع المقبلة في سباق مع الوقائع، لأن كل تقدم سياسي يحتاج إلى بيئة تسمح بتثبيته، فيما يعيد التصعيد النقاش سريعًا من بناء التسوية إلى إدارة الأزمة.
الأكيد أنّ جولة تشرين لن تبدأ من الصفر، لكنها أيضًا لا ترث اختراقًا لم يحصل بعد. وما ستحمله الأسابيع الفاصلة إلى طاولتها سيتحدد بقدرة محطات واشنطن ونيويورك وباريس على تحويل الوقت الذي اكتسبته الوساطة إلى عناصر تفاوضية جديدة، بدل أن يبقى مجرد تمديد لمرحلة انتظار تنتهي بالعقد نفسها التي بدأت بها.

تم نسخ الرابط