"رهان على الماء في الغربال"... الشهران المقبلان يحملان تصعيداً جنونياً؟
بين التحولات السياسية التي أعقبت الانتخابات الإسرائيلية والأميركية، وترقب لبنان لما ستؤول إليه التغييرات في المشهدين السياسيين في تل أبيب وواشنطن، تتصاعد التساؤلات حول مستقبل المواجهة في المنطقة، وما إذا كانت تبدلات الوجوه في الحكومتين الإسرائيلية والأميركية ستفتح الباب أمام مرحلة أكثر هدوءاً، أم أن السياسات العدائية ستبقى ثابتة مهما تبدّلت الإدارات والشخصيات.
وفي هذا السياق، يستبعد الكاتب والمحلل السياسي غسان ريفي في حديث الى "ليبانون ديبايت" حصول تغيير جذري في السياسات الأميركية والإسرائيلية تجاه لبنان والمنطقة، معتبراً أن الاختلاف بين الشخصيات الإسرائيلية لا يعني اختلافاً في جوهر العقيدة التوسعية، وأن التحولات الأميركية قد تفتح نافذة أمام تسوية، لكنها لا تلغي مخاطر التصعيد، ولا سيما خلال الشهرين المقبلين.
ويؤكد ريفي أن التعويل على تبدّل الوجوه في إسرائيل، سواء مع تشكيل الحكومة الجديدة أو مع وصول شخصيات أخرى إلى السلطة، لا يعني بالضرورة حدوث تغيير في السياسات الإسرائيلية تجاه لبنان والمنطقة، مشدداً على أن الإسرائيليين، سواء كانوا من اليسار أو اليمين، أو من التيارات المتطرفة والمتشددة، هم وجهان لعملة واحدة.
ولفت إلى أن أكثرية الحروب التي شُنّت على لبنان قامت في عهد حكومات اليسار الإسرائيلي، معتبراً أن من يراهن على غادي آيزنكوت في المرحلة المقبلة كمن يراهن على الماء في الغربال، لأن العقيدة الإسرائيلية التوسعية والتلمودية والاستيطانية لا تتغير، سواء كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو أو غادي آيزنكوت أو أي شخصية إسرائيلية أخرى.
ورأى ريفي أن ما حصل في إسرائيل لم يكن عقاباً لنتنياهو لأنه ضرب لبنان أو قصفه أو احتله، أو لأنه قصف إيران، بل لأنه لم ينجح في إنهاء لبنان والمقاومة وإيران. واعتبر أن المجتمع الإسرائيلي يحاسب قياداته على عدم تحقيق أهداف الحرب وعدم قتل خصومه، لا على شن الحروب والاعتداءات، مشيراً إلى أن هذا الواقع لا يترك مجالاً كبيراً للتفاؤل بإمكانية تغيير النهج الإسرائيلي.
وفي المقابل، اعتبر ريفي أن ما حصل في الكونغرس الأميركي يمكن البناء عليه أكثر بكثير مما حصل في تل أبيب، لكنه شدد على ضرورة عدم المبالغة في الرهان على تبدّل السياسات الأميركية، مستشهداً بما حصل خلال حرب الستين يوماً، حين كان الديمقراطي جو بايدن رئيساً للولايات المتحدة، وقد أعلن صراحة أنه صهيوني، وقال إنه ليس بالضرورة أن يكون المرء إسرائيلياً حتى يكون صهيونياً، في وقت كانت فيه واشنطن تقدم دعماً كاملاً لنتنياهو في حربه على لبنان وغزة.
وأكد أن من يعتقد أن السياسات الأميركية والإسرائيلية يمكن أن تتغير جذرياً تجاه لبنان والمنطقة هو مخطئ إلى درجة كبيرة، موضحاً أن ما حصل في الولايات المتحدة جاء في إطار محاسبة دونالد ترامب على تداعيات حرب إيران وانعكاساتها على معيشة الأميركيين، ولا سيما ارتفاع أسعار الوقود والأزمة الاقتصادية التي تسببت بها.
وأضاف أن ترامب عوقب سياسياً لأنه لم يكن على قدر مسؤولية وحجم المعركة، ولأن نتنياهو استدرجه إلى حرب من دون استعداد كافٍ، ومن دون خطة واضحة أو تحديد لكيفية الوصول بها إلى النصر.
وبناءً على ذلك، استبعد ريفي حصول تغيير جذري في السياسات الأميركية، لكنه أشار إلى أن سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي الكونغرس، النواب والشيوخ، قد تفتح المجال أمام مقاربة أكثر عقلانية وأقل تناقضاً من مقاربة ترامب، بما يتيح التعامل مع الواقع الذي فرضته إيران خلال الحرب، وربما التوجه نحو تسوية معينة في المستقبل القريب.
إلا أنه شدد على أن الحديث عن التسويات يبقى سابقاً لأوانه قبل اتضاح ما ستشهده المرحلة المقبلة، وتحديداً خلال الشهرين المقبلين، وحتى تسلّم الكونغرس الجديد مهامه، محذراً من احتمال لجوء ترامب ونتنياهو إلى تصرفات متهورة أو خطوات تصعيدية غير محسوبة ضد إيران ولبنان والضفة الغربية، في محاولة للعب في الوقت الضائع وتحقيق إنجاز سياسي أو عسكري يمكن توظيفه لإحداث توازن في الداخلين الأميركي والإسرائيلي.
واعتبر أن هذا الاحتمال مرجّح، وإن كان لا يستبعد في المقابل ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية، مشيراً إلى أن الجميع بات مقتنعاً بأن ما لم يتحقق خلال الحرب الأولى والثانية على إيران لن يتحقق في أي حرب جديدة.
ولفت إلى أن المسار بات مرتبطاً بالمفاوضات، مشيراً إلى وجود جهود ناشطة على هذا الخط، تقودها قطر التي تبذل جهوداً كبيرة، إلى جانب باكستان ولقاء مكة وسائر الأطراف المعنية بالمنطقة، والتي تسعى إلى خفض التصعيد ومنع توسع المواجهة.
وفي هذا الإطار، رأى ريفي أن ترامب لا يزال حتى الآن غير مستوعب لحجم الصدمة والزلزال اللذين أحدثتهما الحرب، مستشهداً بتناقض تصريحاته اليومية، ولا سيما تصريحه الأخير بأنه لا يريد تدمير المزيد من إيران، لكنه قد يفعل ذلك إذا رأى الأمر مناسباً، معتبراً أن هذا الموقف يعكس حالة من التناقض والتخبط.
وختم ريفي بالإشارة إلى أن نتنياهو وترامب يواجهان معاً أزمتين داخليتين، ما يضعهما أمام خيارين: إما الذهاب نحو الحرب لتسوية أزماتهما الداخلية وفرض موازين قوى جديدة وإيجاد مساحة للمناورة، وإما التوجه نحو تسوية سياسية تتلاءم مع الخسائر التي لحقت بهما في هذا المسار