اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

بالأرقام.. لبنان في أسوأ مرحلة

صيدا اون لاين

رغم أنّ وتيرة الحرب انخفضت في الأشهر الأخيرة وانتعشت معها الحركة السياحية نسبيًا، تكشف بيانات "الإسكوا" أنّ الاقتصاد اللبناني ما زال عالقًا في قعر الأزمة. فالعوائد الموسمية لا تُبدّل حقيقة أنّ قاعدة الإنتاج والعمل والمعيشة تواصل الانكماش، وأنّ أثر الحرب ممتدّ على القطاعات حتى لو تراجع هديرها. بكلمات مباشرة: لبنان يتعافى على السطح، فيما الأعماق تنزف
في سوق العمل الخاص، الصورة فاقعة: نسبة التوظيف انخفضت  25%. هذه ليست تقلبات ظرفية، بل تراجع بنيوي يعني أنّ قدرة المؤسسات على خلق وظائف تآكلت، وأنّ كتلًا من العمل تحوّلت إلى هامش غير نظامي بلا حماية ولا أفق. تتعزّز هذه الخلاصة برقمٍ أشدّ قسوة: 29% من الشركات خسرت جميع موظفيها. هنا لا نتحدّث عن "تقشّف" أو إعادة هيكلة، بل عن كيانات خرجت عمليًا من السوق أو تحوّلت إلى نشاط موسمي يقوم على الحدّ الأدنى.
وعلى خطّ الاستمرارية التشغيلية، تتوزّع النتائج بين 15% من الشركات تعطّلت بشكل دائم، و21% توقّفت مؤقتًا، فيما لا تزال 24% مغلقة إلى حدّ اليوم. هذه النسب ترسم خريطة "تصحّر" إنتاجي: سلاسل التوريد الإدارية والبشرية تقطّعت، المهارات تسرّبت إلى الهجرة أو البطالة الطويلة، وكلفة إعادة التشغيل سترتفع كلّما طال التعطيل. لذا، حتى لو عاد الطلب جزئيًا بفعل السياحة، لن يستطيع العرض اللحاق سريعًا لأنّ البنية المؤسسية نفسها تعرّضت للانهيار.

الضربة الأثقل جاءت في رأس المال البشري. أكثر من نصف مليون طفل لبناني واجهوا انقطاعًا عن التعليم خلال الحرب، و69% منهم لا يزالون خارج المدارس حتى بعد وقف إطلاق النار. هذه ليست فجوة أسابيع؛ هي ندبة طويلة تؤثّر في المهارات الأساسية، وتزيد احتمالات التسرب، وتدفع بقاصرين نحو سوق عمل غير منظّم. ومثل هذا الانقطاع يخرج من خانة "التربوي" إلى خانة "الاقتصادي" المباشر: إنتاجيةٌ أدنى لعقدٍ مقبل على الأقل، وارتفاع في كلفة الخدمات الاجتماعية والصحية التي ستُدفع لاحقًا مضاعفة.

يتقاطع ذلك مع تدهورٍ مقلق في أمن الأطفال الغذائي. الأرقام تشير إلى أنّ تغذية الأطفال بلغت مستويات حرجة، وأنّ عددًا كبيرًا ممّن هم دون 12 عامًا يعاني فقرًا غذائيًا حادًا. هذه ليست مسألة حرمانٍ وقتي، بل مسألة نموٍّ جسدي ومعرفي. الطفل الذي لا يتلقّى ما يكفي من غذاءٍ متوازن اليوم سيدخل المدرسة متأخرًا، وسوق العمل لاحقًا بقدرة أقلّ على التعلّم والإنتاج، ما يعني أنّ أثر الجوع سيتحوّل إلى "فقرٍ موروث" يثقل الاقتصاد لعقود.
وعلى مستوى المؤشرات المركّبة، انخفض ترتيب لبنان على دليل التنمية البشرية إلى مستويات 2010، أي تراجعًا يقارب 14 عامًا إلى الوراء. هذا المؤشر يلخّص ثلاثية الدخل والصحة والتعليم؛ وبالتالي فإنّ هذه الارقام تثبت أنّ الأزمة لم تُفقِر الأسر وحسب، بل ضربت قدرة الدولة والمجتمع على إنتاج رفاهٍ مستدام. هنا يظهر وهم "الانتعاش الموسمي".. موسم صيفي مزدحم لا يغيّر منحنى التنمية ما دامت المدرسة والعيادة وسوق العمل تتدهور معًا
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة الأرقام كلوائح خسائر منفصلة. انخفاض التوظيف 25% يغذّي بطالةً أطول، يضغط على مدخول الأسر، يقلّص الاستهلاك، ويُضعف قدرة الشركات على العودة، فيرتدّ على نسب التعطّل (15%) والتوقّف المؤقّت (21%) والإغلاق المستمرّ (24%). بالتوازي، انقطاع أكثر من نصف مليون طفل عن التعليم وبقاء 69% خارج المدارس يضاعف الفجوة المهارية ويهدّد بارتفاع عمالة الأطفال، فيما الفقر الغذائي الحادّ لدى من هم دون 12 عامًا يضمن انتقال الخسائر من "مؤشر سنوي" إلى "أثر أجيال".
قد يقول قائل: وماذا عن السياحة؟ نعم، الانتعاش السياحي يضخّ سيولة ويُنعش قطاعات الخدمات، لكنه لا يستطيع بمفرده أن يعيد تكوين "سلاسل القيمة" المفقودة في الصناعة والزراعة والخدمات المتخصّصة، ولا أن يعوّض مدارس مغلقة وعيادات بلا دواء. العائد السياحي، بطبيعته، قصير الأجل ومتقلّب، فيما الخسائر التي تُظهرها أرقام "الإسكوا" طويلة الأجل ومتراكمة. لذلك تبدو المعادلة واضحة: كل ما لا يلامس المدرسة والعيادة وسوق العمل النظامي سيبقى تحسينًا تجميليًا فوق أساسٍ متصدّع.
الخلاصة التي ترسمها الأرقام حادّة وبلا مواربة: أزمة مستمرة ولو انتهت الحرب وانتعشت البلاد سياحيًا فـ"الأمرّين" اللذين يعانيهما الاقتصاد اليوم هما تآكل قاعدة الأعمال وتدهور رأس المال البشري. وما لم يُعالَج أصل المشكلة، استعادة التشغيل في القطاع الخاص الذي هبط 25%، كبح نزيف الشركات، وإعادة الأطفال إلى الصفّ وإلى غذاءٍ كافٍ، فلن تُجدي موجات الطلب الموسمية ولا الهدنة الأمنية. الأرقام هنا ليست للتخويف، إنما لوضع بوصلة واضحة: التعافي يبدأ من الإنسان والمؤسسة، أو لا يبدأ

تم نسخ الرابط