ذاكرة 17 أيار على الطاولة… فهل يرفع برّي راية المواجهة؟!

لم يكن السابع عشر من أيار عام 1983 مجرّد محطة في التاريخ اللبناني، بل شكل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الوطنية. يومها جلس لبنان الرسمي برعاية أميركية ليوقّع اتفاقاً وُصف بأنه معاهدة إذعان، ما دفع الرئيس نبيه بري الى تسميته بـ "اتفاق الذلّ والعار" في خطاب شهير، وقال آنذاك بوضوح إن الاتفاق "وُلد ميتاً"، وإنه سيسقط لأن الإرادة الشعبية والمقاومة لا يمكن أن تُختصر بقرار من فوق. وبالفعل، لم تمضِ أشهر حتى أسقطه الشارع، وأسقطته البندقية التي قرّرت أن الكرامة لا تباع في بازار السياسة.
اليوم، وبعد أكثر من أربعة عقود، يعود 17 أيار إلى الواجهة لا كذكرى تاريخية فحسب بل كمعيار للمقارنة. فالضغوط الأميركية والإسرائيلية تتجدّد بشكل أشدّ قسوة، إذ تُربط المساعدات الاقتصادية وإعادة الإعمار بالقبول بشروط سياسية وأمنية تمسّ جوهر السيادة اللبنانية. وفي حين كانت الدولة عام 1983 محاصرة بالاحتلال المباشر في بيروت والجنوب، فإن الدولة اليوم محاصرة بانهيار مالي غير مسبوق وبتهديدات أمنية متواصلة، ما يجعلها عرضة لمعادلة إمّا التنازلات وإمّا الانفجار. وبالتالي، فإن لحظة اليوم ليست بعيدة عن تلك اللحظة التاريخية، وإن اختلفت أدوات الضغط وأساليبه.
اليوم، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في موقع مغاير تماماً لدوره قبل أربعة عقود. فالرجل الذي واجه اتفاق 17 أيار من موقع المعارضة وأسهم في إسقاطه، يطلّ الآن من موقع رأس السلطة التشريعية وعرّاب التوازنات الداخلية، حيث تُحسب كلمته في ميزان الحسابات الإقليمية والدولية. ولعلّ موقعه هذا لا يتيح له الاكتفاء بخطاب تعبوي، بل يفرض عليه أن يقدّم معادلة سياسية متكاملة: كيف يرفض شروط الإذعان من دون أن يدفع لبنان إلى عزلة خانقة، وكيف يوفّق بين الضغط الخارجي الذي يهدّد الاستقرار، والضغط الإسرائيلي الذي يلوّح بالنار، وبين ثوابت المقاومة التي حدّدت معالم المرحلة بخطوط حمر لا يمكن تجاوزها.
وعلى هذا الأساس، فإن ما يُنتظر من بري ليس مجرد تكرار للشعارات، بل تثبيت معادلة سياسية فاصلة تذكّر الخارج بأن لبنان لن يوقّع نسخة ثانية من اتفاق 17 أيار مهما تغيّرت العناوين، ويذكّر الداخل بأن وحدة الموقف لا تقلّ أهمية عن البندقية في مواجهة الإملاءات.
ورغم أن السياق الإقليمي مختلف، إلا أنّ التشابه في الجوهر لا يمكن إنكاره. ففي 17 أيار كان لبنان الرسمي قد وقّع، فيما أسقط الشارع الاتفاق. أما اليوم، فالتجاذب يدور حول ما إذا كان لبنان الرسمي سيتكيّف مع الضغوط تحت عنوان "الواقعية"، فيما الشارع المقاوم والبيئة الوطنية أوسع وأصلب وأكثر رسوخاً. في ذلك الوقت، كان بري يصرخ في وجه اتفاق وُلد ميتاً؛ أما الآن فيُنتظر منه أن يمنع ولادة اتفاق جديد يهدف إلى تقويض دور المقاومة وتكريس الوصاية الخارجية تحت مسمّيات مختلفة كالمنطقة العازلة أو الضمانات الأمنية. والفرق الأساسي أنّ المقاومة التي كانت جنيناً في الثمانينيات، تحوّلت اليوم إلى قوة راسخة ومعادلة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
التاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يبعث إشاراته، وإذا كان 17 أيار قد سقط لأن هناك من رفض أن يوقّع ، فإن اختبار اليوم يكمن في قدرة لبنان الرسمي والشعبي على التمسّك بالثوابت نفسها. وبالتالي، فإن خطاب بري المنتظر بعد ظهر اليوم سيكون بمثابة ميزان حساس، فهل يرفع السقف بوجه الضغوط أم يفتح باباً لحوار على قاعدة المساومات؟
في كل الأحوال، تبقى الحقيقة واضحة: الذين أسقطوا 17 أيار بالأمس، قادرون على إسقاط كل نسخة معدّلة منه اليوم، شرط أن لا يوقّع الداخل بيده صكّ الاستسلام المكتوب بحبر أميركي والممهور بختم إسرائيلي