بين التحقيق والراتب.. موظفو بلدية صيدا يدفعون ثمناً لا ذنب لهم فيه
في الوقت الذي تتواصل فيه التحقيقات الجارية في بلدية صيدا، لا سيما تلك المتعلقة بملف أمانة الصندوق وقضايا مالية أخرى يتولاها جهاز أمن الدولة، بدأت التداعيات الاجتماعية والإنسانية لهذه الإجراءات تظهر بوضوح، لا في أروقة الإدارة فحسب، بل في لقمة عيش عشرات العائلات التي باتت رهينة مسار لم تكن يوماً طرفاً فيه.
فأمام باحة البلدية، نفّذ موظفو البلدية وعناصر شرطة البلدية وقفة احتجاجية، رفعوا خلالها صوتهم مطالبين بصرف رواتبهم المتوقفة منذ حوالي شهر ونصف.
وقفة لم تكن سياسية ولا تصعيدية بقدر ما كانت صرخة معيشية، خرجت من ضيق الحال إلى العلن.
تحت شعار "بلدية صيدا"، تجمع المحتجون مؤكدين أن ما يطالبون به ليس امتيازاً ولا منّة، بل حقٌّ بديهيّ يكفله لهم عملهم والتزاماتهم الوظيفية.
شددوا على أنهم لا علاقة لهم بالتحقيقات الجارية، ولم يكونوا يوماً جزءاً من أي ملف مالي أو إداري موضع مساءلة، ومع ذلك وجدوا أنفسهم يدفعون الثمن مباشرة عبر حرمانهم من رواتبهم.
"لدينا عائلات"، قالها أكثر من محتج، لا كشعار بل كحقيقة يومية ثقيلة.
فالموظف الذي لم يتقاضَ راتبه منذ أسابيع، لا يُحرم رقماً مالياً فحسب، بل يُحرم القدرة على تأمين احتياجات أطفاله، تسديد إيجاره، مواجهة متطلبات الحياة الأساسية.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، تتضاعف المخاوف، ويزداد القلق من كيفية تسيير شؤون المعيشة في زمن بات فيه الراتب بالكاد يكفي، فكيف حين يغيب كلياً؟
وفي كلمات ألقيت خلال الاعتصام، حذّر المحتجون من أنهم سيلجأون إلى تصعيد تحركاتهم في حال استمرار تجاهل مطالبهم، معتبرين أن المشاكل والتحقيقات داخل البلدية لا يجوز أن تُدار على حساب الموظفين، وطالبوا المعنيين بفصل المسار القضائي والإداري عن الحقوق المعيشية للعاملين.
كما دعوا إلى تحمّل المسؤوليات من قبل إدارة البلدية والجهات المعنية، والإسراع في إيجاد آلية تضمن صرف المستحقات المتأخرة، أو على الأقل إبلاغهم بوضوح عن موعد محدد لذلك، بدل إبقائهم في دائرة الانتظار والضبابية.
وفي خضم هذا المشهد، يبرز تساؤل مشروع يفرض نفسه من دون توجيه اتهام إلى أي جهة بعينها: هل ما يجري اليوم يمكن اعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي؟
فبحسب ما هو معلوم، فإن بلدية صيدا، كجهة إدارية ومالية، أنجزت ما يترتب عليها من مهام ضمن صلاحياتها، فيما باتت بقية الإجراءات مرتبطة بالجهات المختصة وسلطة الوصاية، وفي مقدّمها محافظة الجنوب.
إن ما يجري في بلدية صيدا يطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز هذه القضية بحد ذاتها: هل يُعقل أن تتحول الإجراءات الرقابية، مهما كانت ضرورية، إلى عبء مباشر على الفئات الأضعف؟
وهل يُطلب من الموظف أن يصبر على الجوع باسم التحقيق، فيما تُفترض العدالة أن تحميه لا أن تُثقله؟
بين القانون والإنسان، تبقى المعادلة ناقصة إن لم تُراعَ كرامة من يعملون بصمت.
فالمحاسبة مطلوبة، نعم، لكن حماية حقوق الموظفين أكثر إلحاحاً، لأن العدالة التي تُجَوِّع لا يمكن أن تكون كاملة.