"اختفاء طفل" بسبب الـ Reels: الشاشات تُهدّد نموّ الأطفال!
يومان من دون "Reels" كانا كافِيَيْن لدفع طفلٍ إلى الإبلاغ عن اختفاء صديقه. حادثة قد تبدو طريفة، لكنّها تكشف عن حقيقة أعمق: جيلٌ يقيس الحضور بعدد الإشعارات، ويبحث عن الراحة في الشاشات. في غرف مضاءة بالهواتف، تُلتقَط ابتسامات سريعة، وتُخفى مشاعر أثقل ممّا تبدو عليه الصور. فكيف يُؤثّر الإفراط في الشاشات على تركيز الطفل ومزاجه؟ وكيف يُمكن للأهل تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا بشكل صحيّ؟
في هذا السياق، تُؤكّد الاختصاصيّة النفسيّة المتخصّصة في علم النفس والإرشاد المهنيّ ستيفاني جوان أنّ "الاستخدام المكثّف لوسائل التواصل الاجتماعيّ يترك آثارًا عميقة على دماغ الطفل، لا سيّما أنّه لا يزال في طور النموّ والتطوّر"، موضحةً أنّ "الطفل في هذه المرحلة لا يمتلك بعد القدرة الكافية على فهم مشاعره وتنظيمها، ما يجعله أكثر عرضة للتأثُّر بالمحفّزات السريعة التي تفرضها الشاشات".
تشير جوان، في حديثٍ خاصّ إلى موقع mtv، إلى أنّ "التعرُّض المفرط للمحتوى الرقميّ يُعزّز نمط الاستجابة الفوريّة في الدماغ، فيعتاد الطفل على الإشباع السريع، ويصبح أقلّ قدرة على الصبر والتحمّل. ومع الوقت، قد تظهر مشاكل في التركيز، وارتفاع في مستويات القلق، واضطرابات في النوم، فضلًا عن تقلّبات مزاجيّة ملحوظة. كما أنّ الضوء المنبعث من الشاشات يعرقل إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن تنظيم النوم، ما ينعكس سلبًا على جودة الراحة الليليّة".
وتلفت إلى "بُعدٍ آخر يتمثّل في الخوف من فقدان العلاقات الرقميّة. فالأطفال والمراهقون يطوّرون نوعًا من التعلُّق العاطفيّ بالتواصل المستمرّ عبر المنصّات، ما يجعل أي انقطاع أو تأخُّر في الردّ مصدر قلقٍ فعليّ لديهم".
وتحذّر جوان من ظاهرة "الإرهاق الرقميّ"، معتبرةً أنّه "يتجاوز مجرّد الملل، ليصل إلى حدّ استنزاف الجهازَيْن العصبيّ والنفسيّ. فالإفراط في استخدام الشاشات يضعف مستوى التركيز، ويزيد الحساسيّة والعصبيّة، ويُؤدّي إلى اضطرابات في النوم، إضافة إلى فقدان الحافز تجاه الأنشطة غير الرقميّة". تضيف: "الدماغ يتبرمج وفق ما يعتاد عليه، فحين يتعوّد الطفل على المحتوى السريع والمكثّف، تتراجع قدرته على الانتباه العميق، ويصبح من الصعب عليه الانخراط في أنشطة تتطلّب جهدًا ذهنيًّا مستمرًّا كالقراءة أو التعلُّم الطويل المدى، ما ينعكس على أدائه الأكاديميّ وقدرته على المثابرة".
أمّا على الصعيد الاجتماعيّ، فتؤكّد أنّ "الاعتماد المفرط على التواصل عبر الشاشات يضعف تنمية مهارات أساسيّة مثل الإصغاء الفعّال، قراءة تعابير الوجه، والتعاطف. ومع الوقت، قد يُؤدّي ذلك إلى هشاشة في العلاقات الاجتماعيّة وارتفاع في مستوى القلق الاجتماعيّ، نتيجة تراجع الخبرة المباشرة في التفاعل الواقعيّ".
وفي ما يتعلّق بالحلول، تشدّد جوان على أنّ "الإدارة الواعية لاستخدام التكنولوجيا تبقى الخيار الأمثل"، لافتةً إلى "ضرورة أن يضطلع الأهل بدور فاعل في تنظيم الوقت وتحديد أطر واضحة لاستخدام الشاشات، بما يضمن توازنًا صحيًّا في حياة الطفل".
وتختم بالتأكيد أنّ "المقاربة الصحيّة لا تقوم على المنع أو التخويف، بل على التوعية وبناء علاقة آمنة تشرح للطفل أسباب هذه الضوابط، شرط ألّا تتحوّل الشاشات إلى ملاذ نفسي أو مصدر وحيد للشعور بالأمان والانتماء"