حين تصبح الحرب فاتورة يومية: الغلاء في لبنان بين نار الإقليم وهشاشة الداخل
لم تعد الحرب في لبنان تُقاس بأصوات الانفجارات وحدها، بل بما تتركه من أثر صامت في تفاصيل الحياة اليومية.
ففي كل مرة ترتفع فيها وتيرة التصعيد الإقليمي، يرتفع معها سعر صفيحة البنزين، ويتراجع معها ما تبقّى من قدرة اللبنانيين على الاحتمال.
اليوم يقف لبنان مجدداً عند تقاطع خطير، حيث تتشابك تداعيات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مع واقع اقتصادي هش، ليُنتج أزمة معيشية تتسلل إلى كل بيت، بلا استثناء.
لم يعد الغلاء حدثاً طارئاً، بل أصبح نمطاً يومياً.
البنزين يرتفع، فتُرفع معه كلفة النقل، فتزداد أسعار السلع، في سلسلة مترابطة لا تنتهي عند حد.
أما المواطن فيجد نفسه في مواجهة معادلة قاسية، دخل ثابت، وأسعار لا تعرف الثبات.
لكن الأخطر أن هذه الأزمة لم تعد محصورة بقطاع دون آخر.
فاللحوم التي كانت تُعد من الكماليات باتت بعيدة المنال، والخضار التي لطالما شكّلت ملاذاً للفئات الأقل دخلاً، لم تسلم بدورها من موجة الغلاء.
حتى أبسط السلع لم تعد بمنأى عن هذا الارتفاع المتسارع، وكأن السوق فقد أي قدرة على التوازن.
في بلد يعتمد إلى حد كبير على الاستيراد، يصبح أي اضطراب خارجي بمثابة زلزال داخلي.
ارتفاع أسعار النفط عالمياً لا يبقى في حدوده، بل يعبر سريعاً إلى الداخل اللبناني، حيث تتضخّم تأثيراته بفعل غياب السياسات الحمائية، وانكشاف السوق، وارتباطه شبه الكامل بالدولار.
ومع تصاعد المخاطر في المنطقة، ترتفع كلفة الشحن والتأمين، وتتعرقل سلاسل الإمداد، فتُضاف أعباء جديدة على الأسعار.
وهكذا لا يدفع اللبناني ثمن الحرب فقط، بل يدفع أيضاً كلفة الخوف منها.
ورغم وضوح العوامل الخارجية، لا يمكن تجاهل الوجه الآخر للأزمة.
ففي ظل غياب الرقابة الفعالة، تتسلل الممارسات الاحتكارية إلى السوق، ويُترك المجال مفتوحاً أمام بعض التجار لرفع الأسعار بوتيرة تتجاوز الكلفة الفعلية.
هنا يصبح الغلاء مضاعفاً، مرة بفعل الخارج، ومرة بفعل الداخل.
المشكلة لم تعد في ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل في ما يرافقه من تآكل سريع للقدرة الشرائية.
الرواتب التي بالكاد صمدت في وجه الانهيار السابق، لم تعد قادرة على مواكبة هذا الارتفاع، ما يدفع شرائح واسعة من اللبنانيين إلى إعادة ترتيب أولوياتها القسرية، تقليص الاستهلاك، التخلي عن بعض الحاجات، والاكتفاء بالحد الأدنى من المعيشة.
في هذا المشهد لا تبدو الأزمة اقتصادية فحسب، بل اجتماعية أيضاً.
الفجوة تتسع، والقلق يتزايد، والخوف من الأسوأ يتحول إلى شعور يومي.
لم يعد السؤال: كم بلغ سعر السلعة؟ بل هل لا تزال في المتناول أصلاً؟
هكذا تتحول الحرب من حدث بعيد نسبياً إلى واقع ملموس، يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية.
لا يحتاج اللبناني إلى متابعة نشرات الأخبار ليدرك حجم التصعيد، يكفي أن ينظر إلى فاتورته.
في النهاية يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة تتجاوز حدوده.
يدفع ثمن صراعات لا يملك قرارها، ويواجه تداعياتها بقدرات محدودة، في ظل غياب أي شبكة أمان حقيقية.
هنا لا يكون الغلاء مجرد أزمة أسعار، بل مرآة لأزمة أعمق.
دولة عاجزة عن الحماية، واقتصاد مكشوف، ومجتمع يُترك وحيداً في مواجهة العاصفة.