بلدية صيدا بين ضغط الواقع وحدود القانون.. مواجهة المخالفات عبر الموازنة بين ما هو قانوني وما هو إنساني
ليس من الصعب إطلاق الأحكام القاسية حين تبدو الفوضى في الواجهة، ولا يحتاج الأمر إلى كثير من الجرأة لاتهام بلدية أو التشكيك في أدائها تحت ضغط مشهدٍ مضطرب.
لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في قراءة الوقائع بعمق، وفهم التعقيدات التي تحكم هذا المشهد، بعيداً عن الانفعال والاختزال.
ما تشهده مدينة صيدا اليوم لا يمكن فصله عن السياق العام الذي يمر به لبنان: أزمة اقتصادية خانقة، نزوح ضاغط، وتداعيات حرب ألقت بثقلها على البنية الاجتماعية والاقتصادية للمدينة.
ضمن هذا الواقع، لا تتحرك البلدية في فراغ، بل في حقل ألغام يومي، تُجبر فيه على الموازنة بين ما هو قانوني وما هو إنساني.
إن مقاربة بلدية صيدا في ملف المخالفات لا يمكن اختزالها بتهمة "التراخي" أو "التواطؤ"، بل هي أقرب إلى إدارة أزمة مركّبة، تحاول فيها السلطة المحلية أن تمنع الانفجار الاجتماعي، دون أن تتخلى عن دورها التنظيمي.
فالتشدّد الأعمى في تطبيق القانون، في ظل أوضاع معيشية متدهورة، لا يؤدي بالضرورة إلى استعادة النظام، بل قد يدفع نحو مزيد من الاحتقان، وربما إلى فوضى أشد خطورة.
ومن هنا تبدو المرونة التي اعتمدتها البلدية خياراً مدروساً، لا ضعفاً مستتراً.
وإذا كان البعض يشير إلى ما يجري على الكورنيش البحري أو في بعض شوارع المدينة، من انتشار بسطات أو طاولات أو أنشطة مؤقتة، فإن قراءة هذه المظاهر بمعزل عن ظروفها تبقى قراءة ناقصة.
فهي على ما فيها من فوضى ظاهرة، ليست نتاج قرار عشوائي، بقدر ما هي انعكاس مباشر لضغط اجتماعي واقتصادي وإنساني، فرض على البلدية التعاطي معه بواقعية لا بشعارات.
إن السماح المؤقت ببعض أشكال التعدّي المنظّم، ضمن ضوابط محددة، لا يُعدّ تنازلاً عن هيبة القانون، بل محاولة لضبط الفوضى ضمن الحد الأدنى الممكن، إلى حين انقشاع الظروف الاستثنائية.
وهذا الفارق جوهري بين إدارة تتخلى عن مسؤولياتها، وإدارة تحاول احتواء أزمة أكبر منها.
أما شرطة البلدية، فهي تقف في الخط الأمامي لهذا التحدي. عناصرها لا تواجه مجرد مخالفات عادية، بل تتعامل يومياً مع حالات إنسانية حساسة، تتطلب قدراً كبيراً من الحكمة والتقدير، لا مجرد تنفيذ حرفي للقوانين.
بين بائعٍ يسعى لتأمين قوت يومه، ونازحٍ يبحث عن مساحة مؤقتة للعيش، ومواطنٍ يطالب بحقه في النظام، تجد هذه القوى نفسها أمام معادلة دقيقة، لا يمكن حسمها بالقوة وحدها.
وفي هذا السياق، يبرز دور المسؤولين عن متابعة ملف المخالفات داخل البلدية، الذين يعملون بصمت على صياغة توازن دقيق بين فرض النظام ومنع الانفلات، وبين مراعاة الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
وهو دور وإن لم يكن صاخباً إعلامياً، إلا أنه أساسي في منع تحوّل التوترات اليومية إلى صدامات مفتوحة.
إن من السهل المطالبة بتطبيق القانون على الجميع وبحذافيره، لكن من الضروري أيضاً التساؤل:
هل الظروف الحالية تحتمل هذا النوع من الحزم المطلق؟
وهل البديل عن هذه المرونة سيكون فعلاً أكثر عدالة، أم أكثر قسوة وخطورة؟
صيدا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التصعيدية، بقدر ما تحتاج إلى قراءة متزنة، تعترف بالتحديات وتثمّن الجهود، حتى لو كانت غير مكتملة. فإدارة المدن في أوقات الأزمات لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على تجنّب الأسوأ.
وفي هذا الإطار، فإن إعطاء كل ذي حق حقه، يقتضي الإقرار بأن بلدية صيدا وشرطتها رغم كل الضغوط، لم تغب عن المشهد، بل اختارت أن تكون حاضرة بطريقة تحاول أن تحمي المدينة من الانزلاق، لا أن تدفعها إليه.