المخاوف من شحّ الدولار وتراجع الاحتياطي تتفاقم… خبير يكشف عن حلّ جذري
أصدر مصرف لبنان أمس بيانًا بشأن التعميمين 158 و166، أعلن فيه أنّ عدد المستفيدين من التعميمين بلغ 578 ألف مودع، فيما تدخل إلى الأسواق اللبنانية سنويًا نحو مليارين ونصف مليار دولار.
وفي قراءة اقتصادية لما حمله البيان من رسائل بين سطوره، بدا واضحًا أنّ تسديد الدفعات الشهرية للمودعين لن يتوقف، إلا أنّه لا مؤشرات حتى الآن إلى أي زيادة محتملة على قيمة هذه الدفعات. كما حسم البيان الجدل القائم حول ما إذا كانت هذه المبالغ ستُحتسب ضمن سقف الـ100 ألف دولار الوارد في مشروع قانون استرداد الودائع العالق في مجلس النواب، نافياً ذلك بشكل واضح، لكن السؤال الأبرز اليوم يتمحور حول تأثير هذا التمديد على احتياطي مصرف لبنان من العملات الأجنبية، وما إذا كان سيؤدي إلى شحّ في الدولار داخل الأسواق اللبنانية.
وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي والمدير التنفيذي للمعهد اللبناني لدراسة الأسواق، باتريك مارديني في حديث إلى" ليبانون ديبايت": "هناك ضغط على احتياطي مصرف لبنان المركزي بالعملات الأجنبية من ثلاثة مصادر، والمصدر الأول هو طبعًا النفقات المرتبطة بالحرب، فالحرب أدّت إلى ارتفاع أسعار المحروقات عالميًا، وارتفاع كلفة النقل ونقل البضائع، وارتفاع كلفة كل الأشياء المتعلقة بالمحروقات، لأن المحروقات تدخل في كل شيء، تدخل في الغذاء عبر الأسمدة، وتدخل في المواد المصنّعة، أي في كلفة الطاقة بشكل عام، وبالتالي فإن ارتفاع هذه الأسعار أدّى إلى ارتفاع فاتورة الاستيراد في لبنان بالدولار، وهذا يُعتبر أول ضغط يحصل.
ويشير الى أن هناك أيضًا الشق المحلي المتعلق بالحرب الذي يضغط على احتياطي مصرف لبنان، لأن الحكومة ستزيد من مصاريفها، فهناك نازحون، وهناك مساعدات، وهناك ايضاً إزالة للأضرار، وفي المقابل ستتراجع مداخيل الدولة، لأن الاقتصاد متوقف، وخصوصًا في الجنوب حيث لا شيء يعمل، وبالتالي فإن قدرة الحكومة على الجباية تنخفض في هذه المناطق لأنه لا توجد مداخيل يمكن الجباية منها، وإذا استمر الوضع حتى فصل الصيف، فقد يحصل انهيار كبير في المداخيل، لذلك هناك ضغط أيضًا من الحكومة على احتياطي مصرف لبنان، خصوصًا إذا تحوّلنا إلى عجز في الموازنة العامة.
أما الضغط الثالث فهو ،كما يوضح مارديني، ناتج عن سحوبات المودعين، وبالتالي لدينا النفقات العامة، وسحوبات المودعين، وفاتورة الاستيراد، وهذه العوامل الثلاثة تضغط على احتياطي مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. ويلفت الى امر فصحيح أن الاحتياطي تراجع خلال فترة الحرب، لكن عندما هدأت الحرب قليلًا، وبعد إعلان نوع من الهدنة في لبنان وتوقف القصف على بيروت، وبدء الحديث عن محادثات سلام وتراجع لغة الحرب، ارتفع احتياطي العملات الأجنبية، ولو بشكل طفيف، وهذا يعني أننا اليوم في حالة توازن هش، ولذلك فإن الحديث عن شحّ كبير ليس دقيقًا بالكامل، لكن قد يصبح هذا الامر مهما اذا عدنا الى الحرب بنطاقها الواسع في لبنان، ويعترف أن هناك ضغط كبير حالياً ولكن "محمول" .
ويرى في هذا السياق أن على المصرف المركزي أن يأخذ احتياطاته، وهنا يُطرح السؤال: ما هي الطرق التي يمكن من خلالها الحفاظ على استقرار العملات الأجنبية؟ لأن استقرار العملات الأجنبية مرتبط مباشرة باستقرار احتياطي العملات الأجنبية، وهو أيضًا مرتبط باستقرار سعر الصرف، فعندما ينهار احتياطي العملات الأجنبية، ينعكس ذلك في نهاية المطاف على سعر الصرف، لأن العوامل نفسها التي تؤدي إلى تراجع الاحتياطي تؤدي أيضًا إلى تراجع سعر الصرف، ولذلك من المهم جداً مراقبة هذا المعيار.
ويعتبر مارديني انه بامكان الحكومة الحكومة القيام بالإصلاح بشكل سهل وتحل بالتالي المشكلة بالكامل، عبر انتقال الحكومة إلى اعتماد إصلاح المجلس النقدي، أو ما يُعرف بـ Currency Board، فهذا النظام يعزل سعر صرف الليرة عن الضغوط المذكورة ، أي أنه يحلّ مشكلتين من اصل 3 مشاكل، فيحلّ مشكلة فاتورة الاستيراد، إذ لا تعود هناك مشكلة في تمويلها عند اعتماد الـ Currency Board، كما أنه يحلّ، برأيه، مشكلة الضغط الناتج عن النفقات العامة، أي من الحكومة، لأن نظام الـ Currency Board لا يسمح للمصرف المركزي بتمويل الحكومة، إلا أنه يشير إلى بقاء مشكلة وحيدة وهي "سحوبات المودعين"، لكن هذا يعني أن الجزء الأكبر من الاحتياطي يصبح مخصصًا فقط لسحوبات المودعين، والتي تُعتبر طبيعية في نهاية المطاف لأنها بالنهاية هذه الاحتياطات هي أموال المودعين.
ووفقًا لرأي مارديني، هناك ضرورة ملحّة اليوم لأن يبدأ لبنان فعليًا بالتفكير بالانتقال إلى نظام المجلس النقدي، في ظلّ الوضع الراهن والضغط القائم على احتياطي مصرف لبنان المركزي، إضافةً إلى الشحّ في الدولار الذي يجري الحديث عنه