معمل النفايات في صيدا.. الحقيقة التي لا يجوز تأجيلها بعد اليوم - بقلم: آية يوسف المسلماني
لم تعد أزمة معمل النفايات في صيدا مجرّد ملف إداري أو خلاف تقني يمكن التعامل معه بسياسة التأجيل أو إدارة الوقت.
نحن اليوم أمام قضية تمس حق الناس المباشر في بيئة سليمة، وحق المدينة في الاطلاع على الحقيقة كاملة، وحق المجلس البلدي في ممارسة دوره الرقابي والقانوني من دون تعطيل أو التفاف أو ضغوط غير معلنة.
فالمشهد على الأرض لم يعد يحتمل التأويل.
روائح مزعجة، تراكمات متزايدة، شكاوى يومية، وقلق صحي يتفاقم لدى الأهالي، كلها مؤشرات على أن ما يجري تجاوز فكرة “المعالجة” كما أُعلن عنها عند إنشاء المعمل، ليطرح سؤالاً أساسياً لا يمكن تجاهله:
هل ما زال هذا المرفق يؤدي وظيفته كمعمل معالجة فعلي، أم أنه تحوّل إلى مساحة لتجميع وطمر النفايات تحت عناوين مختلفة؟
هذا السؤال لا يأتي من فراغ، بل من واقع ممتد من الغموض حول آليات التشغيل، وغياب الشفافية في الأرقام، والتساؤلات المستمرة حول الكميات، أسلوب الاحتساب، والكلفة الفعلية، إضافة إلى مدى الالتزام بالشروط البيئية والتقنية.
والأخطر أن أي محاولة جدية لفتح هذا الملف أو تفعيل الرقابة عليه، كثيراً ما تصطدم بحالة من التردد والتأجيل، وكأن الاقتراب من جوهر الأزمة يحتاج إلى موافقة غير معلنة، أو أن الحقيقة باتت مؤجلة إلى أجل غير معروف.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل القرار الصادر عن مجلس الوزراء في الجلسة رقم ٦١ بتاريخ ٧ أيار ٢٠٢٦، والمتعلق بملف معمل صيدا_الزهراني، والذي يعكس بوضوح أن هذا الملف ما زال مفتوحاً على مستويات مالية وتشغيلية ورقابية متشابكة.
فالقرار يربط صرف جزء من المستحقات باستئناف العمل، ويعيد طرح مسألة التسعير وآليات الدفع، مع توزيع الدفعات على مراحل تمتد حتى نهاية عام ٢٠٢٦، ما يؤكد أن الجانب المالي لا يزال غير محسوم بشكل نهائي.
كما يلحظ تكليف جهة استشارية مختصة بتدقيق الكشوفات والبيانات المتعلقة بكميات النفايات، وإلزام الجهة المشغّلة بوضع خطة لمعالجة التراكمات داخل الموقع، إضافة إلى إعادة مراجعة دفتر شروط التشغيل، بما يعكس وجود حاجة فعلية لإعادة تقييم شامل للمنظومة القائمة.
إن أهمية هذا القرار لا تكمن فقط في تفاصيله، بل في دلالته الواضحة، أن الملف لم يُغلق بعد، وأن الإشكال أعمق من خلاف إداري أو مالي، ليمس جوهر الرقابة والمحاسبة في إدارة مرفق عام بهذا الحجم.
وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن إدارة ملف بهذه الحساسية ضمن هذا القدر من الغموض والتأجيل؟
وكيف يمكن تبرير استمرار التعامل معه خارج إطار المساءلة الواضحة والشفافة؟
في الواقع إن ما يجري بين بلدية صيدا وإدارة معمل شركة (IBC) لم يعد مجرد تباين في وجهات النظر، بل بات مرتبطاً بإخلال واضح في الالتزامات التشغيلية، وتراجع فعلي في مستوى الخدمة، مقابل استمرار المطالبة بالمستحقات وكأن الأداء قائم بشكل كامل.
أي منطق إداري أو قانوني يمكن أن يبرر ذلك؟
وهل يجوز صرف المال العام مقابل خدمة غير منفّذة بالشكل المطلوب؟
وهل تتحول العقود العامة إلى أداة لتكريس الأمر الواقع بدل أن تكون وسيلة للمحاسبة؟
إن أي تسوية مالية أو معالجة للمستحقات بمعزل عن تدقيق شامل وشفاف في الأداء والكميات، تعني عملياً تكريس خلل خطير في إدارة المال العام، وإضعاف قدرة البلدية على حماية حقوقها في أي مسار قانوني أو رقابي.
إن صيدا اليوم لا تحتاج إلى مزيد من التوصيف، بل إلى قرار واضح لا يحتمل التأجيل.
تدقيق شامل ومستقل، ربط أي مستحقات بتنفيذ مثبت وموثّق، ومحاسبة كل تقصير دون استثناء.
فالمدينة التي تتحمل يومياً العبء البيئي والصحي، لا يجوز أن تبقى رهينة الغموض أو الحلول المؤجلة.
إما أن تُدار الملفات العامة بمنطق الشفافية والمؤسسات، أو يُسمح للخلل بأن يتحول إلى قاعدة دائمة.
وبين هذين المسارين، لا يمكن لصيدا أن تبقى في المنطقة الرمادية أكثر.