اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

بين قرار الدولة وحق المدينة.. صيدا ليست تفصيلاً في ملف النفايات ! - بقلم المهندس محمد دندشلي

صيدا اون لاين

كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
منذ سنوات طويلة، تعيش مدينة صيدا تحت وطأة ملف معمل معالجة النفايات، بكل ما حمله من أعباء بيئية وصحية وإنمائية واجتماعية.
ومع كل أزمة جديدة، يعود السؤال نفسه ليطرح بإلحاح أكبر:
هل تُدار هذه القضية باعتبارها ملف خدمة عامة يخضع للمحاسبة والشفافية؟
أم باعتبارها ملف تسويات متراكمة تُرحَّل أزماته من مرحلة إلى أخرى تحت ضغط الخوف من انفجار النفايات في الشارع؟
القرار الأخير الصادر عن مجلس الوزراء وما تبعه من مقاربات رسمية، لا يمكن قراءته فقط كإجراء مالي أو إداري عابر، بل كقرار يحمل أبعادًا سياسية وقانونية ومالية عميقة، ويستوجب نقاشًا علنيًا وصريحًا أمام أبناء المدينة والرأي العام اللبناني.
أولاً: ماذا يقول القرار فعليًا؟
القرار، في جوهره، لا يُنهي الأزمة، بل يحاول احتواءها مؤقتًا.
فالدولة اللبنانية وجدت نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية:
• معمل متوقف أو مهدد بالتوقف، تراكمات نفايات، ضغط صحي وبيئي متزايد، وعجز فعلي عن إيجاد بديل سريع. 
لذلك، اتجه القرار نحو “حل وسط” يقوم عمليًا على:
• إعادة تشغيل المعمل، معالجة جانب من المستحقات المالية، فتح باب التدقيق والمراجعة التقنية، والبحث في تعديل بعض شروط العلاقة القائمة. 
لكن خلف هذه العناوين، توجد أسئلة أخطر بكثير من مسألة الدفع نفسها.
ثانيًا: أخطر ما في القرار… ليس الدفع بل التنازل
الحديث عن إسقاط أو تعديل بند الـ200 طن المجانية ليس تفصيلاً ماليًا بسيطًا، كما يحاول البعض تصويره.
هذا البند، وفق ما هو متداول ومثبت في العقد الأساسي وملحقاته، لم يكن “هدية” للمدينة، بل جاء أساسًا في سياق التعويض عن الأعباء البيئية والصحية والإنمائية التي تحملتها صيدا نتيجة استضافة هذا المرفق لعقود طويلة.
ومن هنا، فإن أي محاولة لإسقاط هذا الحق أو تعديله تعني عمليًا:
• تحميل البلديات أعباء مالية إضافية مستقبلًا، وتحويل “التسوية المؤقتة” إلى تنازل دائم، ومنح الشركة مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا مقابل إعادة تشغيل يفترض أنها ملزمة به أصلًا بموجب العقد. 
وهنا يصبح السؤال مشروعًا جدًا:
من يملك أصلًا حق التنازل عن هذا البند؟
ثالثًا: لماذا يطرح هذا السؤال اليوم بقوة؟
لأن العقد الأساسي، بحسب المعطيات المعروفة، موقّع أصلًا بين بلدية صيدا والشركة المشغّلة.
وهنا ندخل في مسألة قانونية شديدة الحساسية:
إذا كانت بلدية صيدا هي الجهة المالكة للموقع، والمتعاقدة أصلًا، والمتضررة الأولى بيئيًا وصحيًا وإنمائيًا…
فكيف يجري البحث بتعديل أو إسقاط بنود جوهرية مرتبطة بالعقد دون العودة الواضحة والصريحة إلى المجلس البلدي للمدينة؟
قد يكون اتحاد البلديات معنيًا بالإدارة أو التمويل أو الجباية أو التشغيل ضمن مراحل معينة، لكن:
• الجهة الدافعة ليست دائمًا هي الجهة المالكة للعقد، والجهة الإدارية ليست دائمًا صاحبة حق التنازل عن الحقوق التعاقدية الأساسية. 
لذلك، فإن السؤال القانوني المطروح اليوم ليس سؤالًا شعبويًا أو إعلاميًا، بل سؤال جوهري:
إذا كان العقد الأساسي موقّعًا مع بلدية صيدا، فما هو الأساس القانوني الذي يسمح لأي جهة أخرى بالتنازل عن بند جوهري وارد فيه؟
وهذا السؤال ليس تفصيلاً تقنيًا، بل قد يتحول إلى نقطة نزاع حول مشروعية التعديل نفسه.
رابعًا: لماذا أُدخل الاتحاد بقوة إلى المشهد؟
هذا السؤال يطرحه كثيرون اليوم داخل المدينة وخارجها.
فالاتحاد:
• أوسع سياسيًا، وأقل تعرضًا للضغط الشعبي المباشر من بلدية صيدا، وقد يُستخدم كغطاء جماعي لتسوية يصعب تمريرها مباشرة عبر المجلس البلدي للمدينة. 
لكن في المقابل، فإن هذا الواقع يكشف أيضًا تعقيدًا وربما هشاشة في البنية القانونية والإدارية للملف، حيث لم تعد:
• الجهة المالكة للأرض، والجهة المتعاقدة، والجهة الممولة، والجهة المشغلة، والجهة المفاوضة… 
هي نفسها بالكامل.
وهذا بحد ذاته مؤشر خطير على حجم التشابك والضبابية التي تراكمت عبر السنوات.
خامسًا: القرار يتضمن اعترافًا ضمنيًا بوجود خلل
وهذه نقطة أساسية يجب التوقف عندها.
فلو كان كل شيء طبيعيًا وسليمًا بالكامل:
• لما طُرحت مسألة التدقيق، ولما أُثيرت مسألة التراكمات، ولما جرى الحديث عن إعادة النظر بشروط التشغيل، ولما تحوّل الملف إلى بند دائم على طاولة الدولة. 
بمعنى آخر:
القرار لم يبرئ المعمل بالكامل،
لكنه أيضًا لم يذهب نحو المواجهة الكاملة.
بل اختار “هدنة اضطرارية” تحت ضغط الخوف من انفجار أزمة النفايات في الشارع.
وهذا ما يجعل المرحلة الحالية مفصلية وخطيرة في آن معًا.
سادسًا: صيدا ليست موقع استقبال نفايات
ما يجب قوله بوضوح اليوم:
إن صيدا ليست تفصيلًا إداريًا داخل ملف النفايات الوطني.
هذه مدينة دفعت أثمانًا بيئية وصحية واقتصادية وإنمائية كبيرة على مدى سنوات طويلة، ومن حقها الطبيعي أن تكون شريكًا كاملًا في أي قرار يطال حاضرها ومستقبلها.
لذلك، فإن أي مقاربة تتجاوز المجلس البلدي أو تتعامل مع المدينة كأنها مجرد “موقع تشغيل” أو “أرض استقبال” هي مقاربة مرفوضة سياسيًا وأخلاقيًا وإنمائيًا.
سابعًا: المعركة الحقيقية بدأت الآن
في السابق، كان النقاش يدور حول سؤال:
“هل هناك مشكلة أصلًا؟”
أما اليوم، فقد انتقل النقاش إلى مستوى آخر:
• ما حجم المشكلة؟ من يتحمل المسؤولية؟ من استفاد من التسويات؟ من غطّى الخلل؟ ومن يملك حق التنازل عن حقوق المدينة؟ 
وهنا تبدأ المعركة الحقيقية.
ليس فقط حول تشغيل معمل،
بل حول:
• حق المدينة في القرار، وشفافية الإدارة العامة، واحترام العقود، ومنع تحويل الأزمات البيئية إلى أدوات ابتزاز وتسويات دائمة. 
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تكريس معادلة تقول:
أوقفوا المعمل… فتُفتح التسويات.
فالمدينة ليست رهينة،
والصحة العامة لا تُدار بمنطق المقايضة.
المطلوب اليوم
المطلوب ليس المزايدة،
ولا تسجيل المواقف الشعبوية،
ولا دفع المدينة نحو الفوضى.
بل المطلوب:
• كشف الحقائق كاملة، نشر العقود والملحقات، تحديد الصلاحيات بوضوح، إخضاع الملف لتدقيق فعلي، وضمان ألا تتحول “التسويات المؤقتة” إلى تنازلات دائمة عن حقوق المدينة. 
لأن ما يجري لم يعد مجرد أزمة تشغيل معمل…
بل أزمة إدارة عامة تراكمت فيها التسويات فوق القانون، وفوق حق الناس، وفوق حق صيدا في أن تكون مدينة تُحترم… لا مدينة تُدار تحت الضغط والخوف والأمر الواقع والمصالح الفئوية الضيقة.

تم نسخ الرابط