صيدا.. من ادارة الأزمات إلى ادارة المدينة
كتب رئيس لجنة الأشغال والتخطيط في بلدية صيدا المهندس محمد دندشلي:
بعد عامٍ على انتخاب المجلس البلدي في صيدا، قد يكون من الصدق والأمانة أن نعترف بأن المدينة لم تتغيّر بعد كما حلم كثيرون.
لكن ربما يكون من الظلم أيضًا أن نختصر كل ما جرى بمنطق الربح والخسارة، أو بمنطق المناكفات اليومية التي تستهلك المدن قبل أن تبنيها.
فالمشكلة في صيدا ليست فقط أزمة نفايات، ولا أزمة سير، ولا أزمة أرصفة وتعديات.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.
المشكلة أننا ما زلنا، في كثير من الأحيان، نحاول إدارة مدينة كبيرة بعقلية بلدة صغيرة.
مدينة مثل صيدا لم تعد مجرد تجمع سكني على البحر.
هي مدينة تاريخية، ساحلية، تجارية، ثقافية، وخدماتية، تستقبل الجنوب يوميًا، كما تستقبل شرقها وبعض من الاقليمين ، وتحمل فوق كتفيها ضغطًا عمرانيًا وبيئيًا واقتصاديًا هائلًا.
ومع ذلك، ما زلنا نستهلك معظم وقتنا في معارك كان يفترض أن تكون قد حُسمت منذ زمن:
النظافة،
الفوضى،
احتلال الأرصفة،
التعديات،
رمي النفايات،
التلوث،
والتشوّه البصري الذي يلتهم وجه المدينة تدريجيًا.
والمؤلم أن هذه الفوضى لم تعد تُعامل كحالة طارئة، بل كأنها قدر طبيعي للمدينة.
لكن الفوضى ليست قدرًا.
وحتماً هي :
ليست هوية صيدا،
ولا تشبه تاريخها،
ولا تشبه ناسها،
ولا تشبه البحر الذي علّمها عبر قرون معنى الانفتاح والجمال والحياة.
الفوضى هي نتيجة سنوات طويلة من التسويات الصغيرة، التي نسجت على حساب ، وضعف التخطيط، وغياب الرؤية، وتحويل إدارة المدينة إلى عملية تصريف يومي للأزمات بدل أن تكون مشروعًا حضريًا متكاملًا.
فالمدن لا تُبنى فقط بالإسفلت والإنارة.
المدن تُبنى بفكرة واضحة عن الإنسان الذي نريد أن يعيش فيها.
كيف يمشي؟
كيف يتنفس؟
كيف يرى البحر؟
كيف يستخدم الساحات؟
كيف يشعر بالأمان والجمال والانتماء؟
المدينة الحديثة لا تُقاس فقط بعدد المشاريع،
بل بمدى احترامها للإنسان والمجال العام ،لتاريخها وتراثها…
الرصيف ليس تفصيلًا هندسيًا،
بل إعلان يومي عن احترام الناس.
الساحة ليست مساحة فارغة،
بل مساحة لقاء وهوية وذاكرة.
والبحر ليس خلفية للصور،
بل جزء من روح المدينة.
لهذا، فإن النقلة النوعية التي تحتاجها صيدا ليست مجرد تبديل أشخاص أو تبديل شعارات.
إنها انتقال كامل من عقلية “إدارة بلدية” إلى عقلية “إدارة مدينة”.
من ردّ الفعل… إلى الرؤية.
من التسويات المؤقتة… إلى التخطيط.
من الفردية… إلى المؤسسات.
من الزعامة الخدماتية… إلى الحوكمة الحديثة.
لكن الحقيقة الأهم أن هذا المستقبل لا تستطيع البلدية وحدها أن تصنعه.مهما عظم شأنها .
فالمدينة تشبه أهلها وقاطنيها أيضًا.
لا يمكن المطالبة بمدينة نظيفة فيما نرمي النفايات من نوافذ السيارات.
ولا يمكن المطالبة بأرصفة منظمة فيما نعتبر الملك العام ملكًا مباحًا.
ولا يمكن المطالبة بالقانون فيما نبحث دائمًا عن استثناء شخصي لأنفسنا لتجاوزه.
كما لا يمكن مطالبة الناس بالالتزام،
فيما تغيب العدالة،
ويغيب التنظيم،
ويغيب المثال الذي يفترض أن تقدمه الإدارة نفسها.
لهذا، فإن مستقبل صيدا ليس مسؤولية المجلس البلدي وحده،
ولا مسؤولية الدولة وحدها،
بل مسؤولية مشتركة بين المواطن والمسؤول.
مسؤولية أن نقرر أخيرًا:
هل نريد مدينة حقيقية،
أم مجرد مكان نعيش فيه ونختلف فوق فوضاه العبثية؟
ورغم ذلك ،
ما زالت صيدا تملك فرصة نادرة.
تملك البحر،
والتاريخ
والمدينة القديمة،
والأسواق،
والذاكرة،
والموقع،
والناس الذين ما زالوا، رغم كل شيء، يعشقون مدينتهم بعناد ويحملونها بقلوبهم وعيونهم.
ولهذا بالتحديد،
ما زال الأمل ممكنًا، والنهوض ممكناً .
ليس لأن الواقع جميل،
بل لأن المدينة تستحق أكثر بكثير مما وصلت إليه.
وربما تكون البداية الحقيقية،
بعد سنة من عمر المجلس البلدي،
أن نجرؤ جميعًا على فتح هذا النقاش بمسؤلية:
أي مدينة نحلم أن نورّثها لأولادنا؟
لأن المدن تضيع حين يتوقف أهلها عن الحلم بها .