اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

الذكاء الاصطناعي دخل المكتب قبل أن يصل التعليم إليه

صيدا اون لاين

عيد ​الذكاء الاصطناعي​ رسم قيمة العمل، فيما لا يزال التعليم ال​لبنان​ي يواجه فجوة بين ما يدرّسه وما يحتاج إليه ​سوق العمل​؛ والخطر أن يتخرج جيل جديد بشهادات صحيحة لمهن تتغير أسرع مما تستطيع المؤسسات مواكبته.


قبل سنوات، كان الحصول على شهادة جامعية يمنح الشاب اللبناني أفضلية واضحة في سوق العمل، وكانت الخبرة المهنية تتراكم تدريجيًا، بما يسمح له بتحسين موقعه ودخله مع مرور الوقت. أما اليوم، فلم تعد الشهادة وحدها كافية لضمان المسار نفسه؛ إذ باتت القدرة على استخدام الأدوات الرقمية، والتحقق من نتائجها، وتوظيفها في حل المشكلات، جزءًا متزايد الأهمية من قيمة الموظف لدى المؤسسات.

لم تعد المسألة مرتبطة بمستقبل المبرمجين وحدهم. الصحافي، والمحاسب، والمحامي، والموظف الإداري، والمصمم، والمدرّس، والعامل في التسويق وخدمة الزبائن، جميعهم أمام تغير يمسّ أجزاء من عملهم، وإن اختلفت سرعة التحول وحدّته من مهنة إلى أخرى. فالذكاء الاصطناعي لا يدخل سوق العمل من باب واحد؛ إنه يتسلل إلى المهام المتكررة، وتسريع البحث، وتحليل البيانات، وإعداد المسودات، ثم يدفع المؤسسات إلى إعادة النظر في الوقت الذي تحتاج إليه لإنجاز العمل، وعدد العاملين المطلوبين، والمهارات التي تستحق الاستثمار فيها.

وهذا لا يعني أن الوظائف ستختفي جميعها، أو أن الآلة ستستبدل الإنسان بصورة آلية. فالتقرير المشترك ل​منظمة العمل الدولية​ والإسكوا، الصادر في أيار 2026 حول مستقبل الوظائف في المنطقة العربية، يعرض سيناريوهات مختلفة تتراوح بين زيادة الإنتاجية وخلق فرص جديدة، وبين اتساع الفوارق وإزاحة العمال الذين لا يستطيعون مواكبة التحول. ويشير التقرير إلى أن قرابة ربع المهن في المنطقة قد تتأثر بالذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن التأثر يشمل تغيير طبيعة المهام وتعزيز أداء العامل، ولا يعني اختفاء ربع الوظائف(منظمة العمل الدولية والإسكوا).

المشكلة الأهم، إذًا، ليست أن الذكاء الاصطناعي سيقرر وحده من يبقى في عمله، بل أن المؤسسات والعاملين وأنظمة التعليم ستحدد، بدرجة كبيرة، من يستطيع الاستفادة منه ومن يجد نفسه متأخرًا عنه.

الجامعة أمام السوق

في لبنان، لا تبدأ هذه الفجوة مع الذكاء الاصطناعي، بل سبقت انتشاره الواسع. فقد عانت سوق العمل أصلًا ضعفًا في خلق الوظائف النوعية، وارتفاعًا في ​البطالة بين الشباب​، واتساعًا للعمل غير المنظم، إلى جانب انفصال بين بعض المسارات التعليمية والمهارات التي تطلبها المؤسسات.
وتقدم وثيقة للبنك الدولي عن مشروع «​المهارات الرقمية​ من أجل التوظيف في لبنان»، صدرت في شباط 2026، صورة واضحة عن هذا التحدي. فقد أشار البنك إلى أن انتشار الإنترنت بلغ 91.6 في المئة مطلع 2025، وأن التوظيف في قطاع ​تكنولوجيا المعلومات​ والاتصالات ارتفع بنسبة 6.7 في المئة بين 2018 و2022، مع توجه شركات في القطاع إلى التصدير والاستثمار في تقنيات الذكاء الاصطناعي. لكنه حذّر في الوقت نفسه من أن المناهج الوطنية لا تواكب بالقدر المطلوب المهارات الرقمية المتغيرة التي يحتاج إليها سوق العمل.

وتكشف هذه الأرقام جانبين متعارضين في المشهد اللبناني: هناك بنية اتصال واسعة نسبيًا وقطاع رقمي أظهر قدرة على النمو رغم الأزمة، لكن الوصول إلى الإنترنت لا يساوي امتلاك المهارات، كما أن استخدام الهاتف والحاسوب لا يعني القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى دخل أو إنتاجية.

فالسوق لا تحتاج إلى أشخاص يعرفون تشغيل الأدوات فحسب، بل إلى من يستطيعون تحديد المشكلة، واختيار الأداة المناسبة، وفحص النتائج، وحماية البيانات، والتعامل مع الأخطاء، ثم اتخاذ القرار الذي لا تستطيع الآلة تحمّل مسؤوليته. وقد يصبح الموظف الذي يستخدم التقنية بوعي أكثر إنتاجية من زميل يؤدي المهمة نفسها بالطريقة التقليدية، فيما قد يجد شخص آخر أن جزءًا كبيرًا من عمله بات قابلًا للإنجاز خلال وقت أقصر وبكلفة أقل.

وهنا يتغير معنى الكفاءة المهنية. لم يعد التفوق مرهونًا بما يعرفه الفرد لحظة تخرجه فقط، بل بقدرته على تحديث معرفته طوال حياته العملية. وبذلك يصبح التعليم الذي ينتهي عند تسلّم الشهادة تعليمًا ناقصًا في اقتصاد تتغير أدواته باستمرار.

التدريب لا يكفي

بدأ لبنان بالفعل خطوات في اتجاه معالجة هذه الفجوة. ففي كانون الثاني 2026 أقرّ ​البنك الدولي​ منحة بقيمة 3.87 ملايين دولار لمشروع يهدف إلى توسيع الوصول إلى المهارات الرقمية والأنشطة المدرّة للدخل بين الشباب الأكثر هشاشة، بما يشمل التدريب وربط المستفيدين ب​فرص العمل​ الرقمي والمهام التي تُنجز عن بُعد.
لكن حجم التحدي يفرض تجاوز فكرة الدورات التدريبية المنفصلة. فالمهارة لا تتحول إلى فرصة لمجرد حصول المتدرب على شهادة جديدة؛ ينبغي أن ترتبط بحاجات أصحاب العمل، وبفرص تطبيق عملي، وبقدرة على الانتقال من التدريب إلى وظيفة أو مشروع يحقق دخلًا مستقرًا.

ويظهر الفرق بين التدريب والتوظيف في النتائج التي أوردتها وثيقة البنك الدولي عن منصة للمهارات الرقمية، إذ سجلت حتى حزيران 2025 نحو 21,883 مستخدمًا، وأكمل التدريب 4,961 منهم، وحصل 3,160 على شهادات، فيما سُجل توظيف 283 مشاركًا. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للحكم على فاعلية المنصة أو على مصير جميع المستفيدين، لكنها تذكّر بأن الوصول إلى التدريب وإتمامه والحصول على وظيفة مراحل مختلفة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها نتيجة واحدة.

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي سياسة للمهارات الرقمية: ليس عدد المتدربين، بل ما إذا كان التدريب قد حسّن فرصهم في الحصول على عمل، أو رفع أجورهم، أو منحهم قدرة أكبر على الانتقال بين المهن مع تغير الطلب. أما الاكتفاء بتوزيع الشهادات، من دون قياس النتائج المهنية، فقد ينتج جيلًا يحمل أوراقًا إضافية فيما تبقى مشكلته الأساسية قائمة.

ولا يمكن تحميل المؤسسات التعليمية وحدها مسؤولية هذا الاختلال. فالشركات مطالبة أيضًا بالمشاركة في تحديد المهارات المطلوبة، وتوفير فرص تدريب عملي، وتحديث وصف الوظائف، ومنح العاملين وقتًا للتعلم بدل مطالبتهم بمواكبة أدوات جديدة من دون دعم. كما أن العامل نفسه يحتاج إلى فهم أن التعلّم لم يعد مرحلة تسبق التوظيف فقط، بل أصبح جزءًا من العمل.

الجمهورية الرقمية

تكتسب هذه القضية أهمية إضافية مع طرح الحكومة اللبنانية مسودة الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2032 للتشاور العام، ضمن توجه يرمي إلى إدخال التكنولوجيا في مؤسسات الدولة والقطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية. وقد شهد آب 2026 جولات من المشاورات الوزارية حول مبادرة «الجمهورية المتكاملة بالذكاء الاصطناعي.
لكن نشر استراتيجية طموحة لا يضمن تحقيق أهدافها. فالمسودة تطرح تصورات وأهدافًا مستقبلية، لا نتائج تحققت بالفعل، ويظل نجاحها مرتبطًا بوجود تمويل واضح، وبنية تحتية موثوقة، وقواعد لحماية البيانات، ومؤسسات قادرة على التنفيذ والمحاسبة، والأهم من ذلك كله، قوة عاملة مؤهلة تستطيع تحويل التكنولوجيا إلى إنتاج وخدمات أفضل.

وهنا ينبغي ألّا تنحصر الرؤية الوطنية في جذب شركات التكنولوجيا أو تشجيع الشركات الناشئة أو إدخال أدوات جديدة إلى الإدارات. فالدولة التي تستخدم الذكاء الاصطناعي في خدماتها من دون تأهيل موظفيها، أو تطلب من الاقتصاد التحول رقميًا فيما تبقى مناهج التعليم بعيدة عن احتياجات السوق، ستنشئ فجوة جديدة بين التكنولوجيا المتاحة والقدرة على استخدامها.

كما أن المكاسب لن تتوزع تلقائيًا وبالتساوي. فالموظف الذي يحظى بتعليم جيد واتصال مستقر وفرصة للتدريب يستطيع غالبًا الاستفادة من الأدوات الجديدة بسرعة أكبر من عامل يؤدي مهام روتينية ولا يملك وقتًا أو مالًا لتطوير مهاراته. لذلك يمكن للتحول الرقمي أن يرفع الإنتاجية، لكنه قد يوسّع الفوارق أيضًا إذا تُرك الوصول إلى التدريب والفرص للمقدرة الفردية وحدها.

بالنسبة إلى لبنان، الذي يحتاج إلى وظائف منتجة ومصادر دخل جديدة، يمكن للاقتصاد الرقمي أن يتيح فرصًا تتجاوز حجم السوق المحلية، من الخدمات المهنية والتصميم والبرمجة إلى تحليل البيانات والأعمال التي تُنجز عن بُعد. لكن هذه الفرصة تتطلب أكثر من مهارة تقنية؛ تحتاج إلى لغة، وانضباط مهني، وقدرة على التواصل، واحترام الخصوصية، والتحقق من المعلومات، وفهم حقوق الملكية والمسؤولية عن النتائج.

فالآلة تستطيع أن تسرّع العمل، لكنها لا تعفي المؤسسة من مسؤولية ما تنشره أو تنتجه، ولا تعفي الموظف من التحقق مما يقدمه، ولا تعفي الدولة من حماية العاملين عندما تتبدل المهام وتتراجع الحاجة إلى بعض الوظائف.

وهذا يفرض على لبنان أن يربط التحول التكنولوجي بسياسة واضحة للتعليم والتدريب والتوظيف، وأن يقيس أثره على فرص العمل وجودتها، لا على عدد الأدوات التي دخلت إلى المؤسسات. كما يحتاج إلى قواعد تنظّم استخدام البيانات، وتحدد المسؤولية عن القرارات المؤتمتة، وتحمي حقوق العمال من دون أن تعرقل الابتكار
في النهاية، لن يكون الفاصل بين الفائزين والخاسرين في سوق العمل هو امتلاك أحدث تطبيق، ولا نوع الشهادة وحده. الفارق سيكون في القدرة على الجمع بين المعرفة المتخصصة والحكم البشري والاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، وفي وجود مؤسسات تمنح العامل فرصة فعلية لتطوير نفسه بدل أن تتركه يواجه التغيير منفردًا.

حين تصبح المهارة أقصر عمرًا من الشهادة، لا يعود التحدي أن يتخرج الشباب من الجامعات فحسب، بل أن يبقى التعليم قادرًا على مواكبة ما يتغير بعد التخرج.

فالذكاء الاصطناعي لن ينتظر إصلاح المناهج اللبنانية، ولن يؤجل تطوره إلى أن تصبح سوق العمل جاهزة. وما يستطيع لبنان التحكم فيه هو سرعة استجابته: هل يكتفي بمشاهدة التحول، أم يبني نظامًا يجعل المعرفة المتجددة جزءًا من الاقتصاد، ويمنح العاملين فرصة المشاركة في مكاسبه بدل أن يتحملوا وحدهم كلفة انتقاله؟ هذا ما نضعه برسم وزارة التربية، الغائبة كليًّا عن تحديث مناهج التربية، وتصبّ اهتمامها على اقفال المدارس بدل أن تضع في اولويّاتها التطوير ومواكبة عصر التكنولوجيا، الّذي بات لا ينتظر المتأفّفين والمُبَرِّرين والمتأخّرين؟!

تم نسخ الرابط