"حرب" و"رمضان" و"تفلّت".. الثلاثية التي أشعلت الأسعار في لبنان
لم يكن السوق اللبناني يحتاج إلى صدمة جديدة حتى ترتفع الأسعار. فالبلد يدخل أساساً هذه المرحلة من موقع هشّ معيشياً، في ظل كلفة معيشة مرتفعة قياساً إلى الدخل، وسوق يفتقر إلى التوازن بين الأجور والأسعار، فيما باتت الأسرة
اللبنانية تواجه أصلاً صعوبة متزايدة في تأمين أساسياتها اليومية. لكن مع اندلاع المعركة الأخيرة وتوسيع إسرائيل دائرة اعتداءاتها على لبنان، دخلت البلاد في مرحلة ضغط مضاعف، حيث تداخل العامل الأمني مع العامل المعيشي، وانفجرت الأسعار تحت تأثير ثلاثية واضحة تتمثل في الحرب، والطلب المرتفع في رمضان، وغياب الرقابة الفعلية.
في الأيام الأولى من المواجهة الأخيرة، ومع اتساع نطاق التهديدات والخرائط والإنذارات والإخلاءات، نزحت شريحة واسعة من اللبنانيين من بعض المناطق، فاقت 400 ألف نازح، ما ترك حالة إرباك واسعة. فالعائلات وجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة منازلها خلال ساعات قليلة، من دون أي تحضير مسبق أو خطة واضحة للتعامل مع هذا التحرك السكاني الطارئ. هذا النزوح لم يكن مجرد حدث إنساني وأمني، بل تحوّل سريعاً إلى عامل اقتصادي ضاغط، بعدما أدى إلى ارتفاع الطلب الفوري على السكن والمواد الغذائية والخدمات الأساسية ووسائل النقل، في وقت كانت السوق أصلاً تعاني من اختلالات مزمنة.
وعلى الرغم من التطمينات، بقيت الضغوط الاقتصادية على حالها، بل ازدادت حدّة مع استمرار النزوح واتساع الطلب على السلع والخدمات في مناطق الاستقبال. في هذا السياق، حضرت الحرب باعتبارها العامل الأول في إشعال الأسعار. فلبنان الذي يعتمد إلى حد كبير على الاستيراد، يتأثر سريعاً بأي اضطراب أمني يرفع كلفة الشحن والتأمين والنقل والتوزيع. ومع بداية التصعيد، لم تعد المسألة محصورة بالخوف من انقطاع الإمدادات، بل انتقلت إلى ارتفاع فعلي في الكلفة التشغيلية على المستوردين والتجار. فالمخاطر الأمنية رفعت كلفة الشحن البحري والتأمين على البضائع، كما أن أي توتر في المنطقة ينعكس مباشرة على أسعار
النفط والنقل، وهو ما ينسحب تلقائياً على أسعار السلع في الداخل اللبناني. وعندما ترتفع كلفة إدخال البضائع إلى السوق، يصبح المستهلك اللبناني أول من يدفع الثمن عند الرف.
لكن الحرب لم تضرب فقط باب الاستيراد، بل دخلت مباشرة إلى تفاصيل الحياة اليومية للنازحين والمقيمين على السواء. فقد شهدت بدلات إيجار الشقق في بيروت ارتفاعاً كبيراً تماما كالحرب السابقة، إذ قفزت في بعض الحالات من نحو 500 دولار شهرياً إلى ما يقارب 4000 دولار، مستفيدة من حاجة العائلات الماسة إلى المأوى ومن غياب أي تدخل رسمي يضبط هذه الفوضى. كذلك ارتفعت أسعار الخضار والمواد الغذائية واللحوم والدواجن والأسماك، وسجل سعر الغاز بدوره زيادة لافتة، ما عمّق الشعور لدى الناس بأن الأزمة لا تُدار بل تُترك لتتفاقم وحدها. وفي المقارنة مع تجارب سابقة خلال الحروب، يرى كثيرون أن ملف الأمن الغذائي كان أكثر انضباطاً مما هو عليه اليوم، وأن الفوضى الحالية أكبر وأكثر قسوة على الناس.
إلى جانب الحرب، جاء شهر رمضان ليشكّل العامل الثاني في هذه الموجة. فالسوق اللبنانية تعرف سنوياً ضغوطاً موسمية خلال هذا الشهر، بسبب ارتفاع الطلب على مجموعة واسعة من السلع الغذائية الأساسية، من الحبوب والزيوت والسكر إلى اللحوم والدجاج والخضار والمعلبات. غير أن المشكلة هذا العام أن رمضان حلّ فوق سوق منهكة أصلاً، وفي توقيت متزامن مع المعركة والتوتر الأمني والنزوح. وهكذا، لم يعد الطلب الرمضاني مجرد زيادة موسمية طبيعية، بل تحوّل إلى عامل ضغط إضافي داخل سوق مرتبكة. فالطلب ارتفع في وقت واحد في أكثر من منطقة، وترافق مع تخزين لدى بعض العائلات، ومع اندفاع بعض التجار إلى رفع الأسعار بحجة زيادة الكلفة أو تبدل الظروف.
أما العامل الثالث، فهو الرقابة، أو بالأحرى غيابها الفعلي. فالشكاوى لا تقتصر على ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل تمتد إلى شعور متزايد بأن مؤسسات الدولة غائبة عن المشهد. النازحون يؤكدون أنهم لم يلمسوا حضوراً حقيقياً للدولة، لا على مستوى المساعدة الإنسانية ولا على مستوى التنظيم الأمني ولا حتى على مستوى حماية السوق. فلا أجهزة تضبط الفوضى كما يجب، ولا انتشار امنيا كافياً في المناطق المكتظة بالنازحين بما يبعث على الطمأنينة، ولا إجراءات ملموسة تردع الاستغلال في بدلات الإيجار أو أسعار المواد الأساسية.
هذا الغياب فتح الباب أمام السوق لكي تعمل على قاعدة الاستفادة من الأزمة. فالسلعة نفسها تكاد تباع بالسعر نفسه في مختلف المحال، كما أن السلع المشابهة لا تشهد فروقات كبيرة، ما يثير أسئلة جدية حول غياب المنافسة الحقيقية واتساع هامش التسعير المتشابه بين التجار. وعندما تجتمع الحرب مع الضغط الموسمي وغياب الرقابة، يصبح من السهل على أي حلقة من حلقات السوق أن ترفع الأسعار، سواء بحجة ارتفاع الكلفة أو بحجة الطلب أو حتى بحجة الظروف الاستثنائية، من دون أن يكون هناك من يسائل أو يردع أو يفرض سقوفاً واضحة.
وفي قلب هذا المشهد، يتعزز لدى جزء واسع من الناس شعور مرير بأنهم يواجهون الأزمة وحدهم. فبدلاً من أن تتحرك الدولة لحمايتهم في لحظة استثنائية، يشعر كثيرون بأن معاناتهم تُستغل من جهات مختلفة، وكأن هذه البيئة الشعبية تحولت إلى "بقرة حلوب" يُستفاد منها في الأزمات ثم تُترك وحيدة في مواجهة مصيرها. وهذا التعبير، وإن كان قاسياً، يعكس مستوى النقمة المتزايدة لدى العائلات التي تواجه معاً النزوح والغلاء والقلق وغياب الحماية.
الخلاصة أن ما يحصل في لبنان اليوم ليس مجرد موجة غلاء عابرة، بل نتيجة مباشرة لتقاطع ثلاث أزمات دفعة واحدة. الحرب رفعت كلفة الشحن والتأمين والنقل وخلقت نزوحاً ضاغطاً على السكن والغذاء والخدمات. ورمضان زاد الطلب في سوق هشة ومختلة أصلاً. أما الرقابة، فبدت حتى الآن أضعف من أن تضبط الانفلات أو تمنع الاستغلال. وبين هذه العوامل كلها، يبقى المواطن اللبناني الحلقة الأضعف، يدفع من قدرته الشرائية ومن أمنه الاجتماعي في آن واحد