من الأضحى إلى الصيف: الحرب تُسقط الموسم السياحي وخسائر بالملايين
يشهد القطاع السياحي في لبنان واحدًا من أكثر مواسمه هشاشة منذ أعوام، إذ تبدو المؤشّرات قاتمة، على بُعد أسابيع قليلة من انطلاق الموسم الصيفي، مع تسجيل نسب إشغال متدنّية في الفنادق، وتراجع واضح في حركة الوافدين، وسط مخاوف متزايدة من انهيار الموسم بالكامل، وفقًا للتطورات الأمنيّة.
الأضحى لا ينعش السياحة
في وقت كانت المؤسسات السياحيّة تعوّل على عيد الأضحى، لتعويض جزء من الخسائر التي مُنيت بها خلال عيدي الفطر والفصح، يغيب الزوار العرب والأجانب، كما يحاذر عدد كبير من المغتربين القدوم لقضاء العيد مع عائلاتهم،بسبب المخاوف الأمنيّة واحتمال تجدّد التصعيد العسكري في أيّ لحظة. في المقابل، تقتصر الحركة السياحيّة الحاليّة على تنقّلات داخليّة محدودة، نحو مناطق تُعدّ أكثر أمانًا، في ظل مناخ من القلق والترقّب، انعكس مباشرة على حركة الحجوزات، وأعاد القطاع إلى دائرة الانكماش
.
في هذا السياق، يكشف رئيس اتحاد النقابات السياحية ورئيس نقابة أصحاب الفنادق في لبنان بيار الأشقر أنّ نسبة الإشغال في فنادق بيروت لا تتجاوز 7 إلى 8 في المئة، فيما تنخفض أكثر في المناطق الأخرى، مستبعدًا أيّ تحسّن في الحجوزات في الفترة الفاصلة عن الأضحى "إذا كنّا نتوقّع أي تحسّن، فقد يكون بنسبة 5 أو 6 في المئة أو أقل، هذا ليس لبنان، وهذه ليست سياحة لبنان".
"خسائر السياحة تُرهق الاقتصاد"
لا يقتصر تأثير الأزمة على القطاع السياحي فحسب، بل يمتد إلى الاقتصاد اللبناني ككل، نظراً لارتباط السياحة الوثيق بالنشاط الاقتصادي العام. وفي هذا الإطار، لفت الخبير الاقتصادي وخبير قطاع الطاقة إدمون شماس في حديث لـ "لبنان 24" إلى دور القطاع السياحي في تحريك العجلة الاقتصاديّة وإدخال العملة الصعبة، مؤكدًّا أنّه «يشكّل العمود الفقري للاقتصاد، ويساهم بصورة مباشرة وغير مباشرة بنسبة تتراوح بين 20 و30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، مع اختلاف هذه النسبة تبعًا للظروف الأمنيّة والسياسيّة».
وأوضح شماس أنّ القطاع السياحي شهد تراجعًا حادًا خلال حرب الإسناد الأولى عام 2024، ما انعكس سلبًا على الاقتصاد اللبناني عمومًا، لافتًا إلى أنّعدد السياح انخفض بنحو 32% مقارنة بعام 2023. إلا أنّ عام 2025 سجّل، بحسب وصفه، "إعادة إحياء نسبيّة للاقتصاد والقطاع السياحي بعد اتفاق وقف إطلاق النار، حيث ارتفع عدد الوافدين بنسبة 45% مقارنة بعام 2024، مدفوعًا بعودة السياح الخليجيين والأوروبيين، وتراجع التوترات الأمنيّة، وتحسّن حركة الطيران". لكن هذا التحسّن لم يكن كافيًا لإعادة القطاع إلى مستواه الذي كان عليه قبل الأزمة المالية والانهيار الاقتصادي "كانت السياحة تساهم قبل عام 2019 بنحو 20% من الناتج المحلي، بإيرادات سنوية قاربت 10 مليارات دولار".
خسائر بالملايين وموسم 2026 على المحك
أما في ما يتعلّق بعام 2026، فلفت شماس إلى أنّ التوقعات كانت تشير إلى موسم أفضل من عام 2025، غير أنّ اندلاع الحرب منذ مطلع آذار، سواء في الخليج أو على الساحة اللبنانية، قلب المشهد بالكامل. فقد أدت الاعتداءات المستمرة والتوترات الأمنيّة إلى تراجع الحجوزات، وتوقّف حركة الطيران، من وإلى عدد من الوجهات، ما انعكس مباشرة على القطاع السياحي وأدخله في حالة انكماش جديد. وأشار إلى أنّ ارتفاع أسعار النقل والمحروقات، إلى جانب تصاعد التوتر في الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني، ساهم في تعميق الأزمة، مقدّرًا الخسائر الشهريّة للقطاع السياحي ما بين 500 و600 مليون دولار "وهذا الرقم كبير جدًّا مقارنةً بالواقع الاقتصادي اللبناني".
انكماش السياحة يقلّص تدفّق الدولار
تُعدّ عائدات القطاع السياحي من أهم مصادر إدخال العملة الصعبة إلى الاقتصاد اللبناني، حيث تشكّل تدفّقات الدولار الناتجة عن الإنفاق السياحي والمغتربين رافعة أساسيّة للاحتياطات النقديّة. في السياق لفت شماس إلى أنّتراجع أعداد السياح انعكس انخفاضًا في تدفّق العملات الأجنبيّة، لا سيّما الدولار، الأمر الذي فاقم الركود الاقتصادي "خصوصًا أنّ القطاع السياحي يحرّك قطاعات أساسيّة مثل الفنادق والمطاعم والنقل والخدمات". وحذّر شماس من التداعيات السلبيّة لاستمرار الحرب والتوتّرات الإقليميّة، لاسيّما في الخليج.إضافة إلى المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، سواء عبر ارتفاع أسعار المشتقّات النفطيّة وكلفة النقل، أو من خلال تراجع فرص التصدير في القطاعين الصناعي والزراعي. وتوقّع أن تؤدي الأزمة الحاليّة إلى تفاقم الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة "في ظل عجز شريحة واسعة من اللبنانيين، لا سيّما في الجنوب والضاحية والبقاع عن تسديد الرسوم والضرائب، ما سينعكس على إيرادات الدولة ويعمّق الأزمة المالية، في وقت لم يتمكّن فيه لبنان بعد من التعافي من تداعيات الانهيار المالي والاقتصادي،الذي بدأ عام 2019."
وبذلك، تبدو آمال اللبنانيين بموسم صيفي يعيد بعض الحيويّة إلى البلاد معلّقة على تطورات أمنيّة، لا تزال مفتوحة على كلّ الاحتمالات، ما يقوّض فرص إنقاذ الموسم السياحي، الذي يُعدّ شريانًا أساسيًّا للعملة الصعبة، ومحرّكًاللقطاعات الاقتصاديّة المرتبطة به.