اخبار لبنان اخبار صيدا اعلانات منوعات عربي ودولي صور وفيديو
آخر الأخبار

دمشق تبدّل مقاربتها للبنان: من التنسيق الأمني إلى الانفتاح السياسي على عين التينة

صيدا اون لاين

حملت زيارة وزير الخارجية السوري ​أسعد الشيباني​ إلى بيروت في مضمونها رسائل سياسية تتجاوز الملفات الثنائية المباشرة، وتفتح الباب أمام قراءة مختلفة لطبيعة المقاربة السورية الجديدة تجاه الساحة ال​لبنان​ية. فالرسائل التي تحدثت عن احترام سيادة لبنان وعدم التدخل في شؤونه لا يمكن فصلها عن التحولات الإقليمية التي دفعت ​دمشق​ إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ولا عن إدراكها أن استقرار العلاقة مع لبنان بات جزءاً من معادلة أوسع ترتبط بمستقبل المنطقة بأكملها.
صحيح أن السياسة لا تعرف الثوابت، وأن المصالح تبقى العامل الحاكم في رسم المواقف، إلا أن ما ظهر خلال الزيارة يوحي بأن دمشق تحاول الانتقال من مرحلة إدارة الملفات الأمنية إلى مرحلة إعادة بناء العلاقة السياسية مع مختلف القوى اللبنانية. فمنذ وصول السلطة الجديدة في سوريا، انفتحت دمشق سياسياً على عدد كبير من المكونات اللبنانية، فيما بقي الثنائي الشيعي خارج هذا المسار على المستوى السياسي، رغم استمرار قنوات التنسيق الأمني مع ​حزب الله​، وكذلك مع الجيش اللبناني، عبر ترتيبات لعبت ​تركيا​ دوراً أساسياً في تثبيتها، واستمرت بعيداً عن الأضواء.

الجديد في زيارة الشيباني تمثل في كسر هذا الفصل بين الأمن والسياسة. فاللقاء مع رئيس مجلس النواب ​نبيه بري​ شكل أول انفتاح سياسي مباشر على أحد أبرز أركان الثنائي الشيعي. والأجواء التي أحاطت باللقاء، وما تضمنه من صراحة وودّية، إضافة إلى توجيه دعوة رسمية لبري لزيارة دمشق، تعكس أن القرار السوري لم يعد يقتصر على الحفاظ على قنوات التواصل الأمني، بل يتجه إلى إعادة وصل العلاقة السياسية مع هذا المكون، بما يحمله ذلك من دلالات تتجاوز الشخصيات إلى إعادة رسم طبيعة العلاقة مع البيئة السياسية التي يمثلها.
ولا تقل أهمية عن ذلك الرسائل التي صدرت عن الشيباني بشأن عدم وجود مانع من اللقاء مع حزب الله إذا اقتضت المصلحة ذلك. فحتى لو لم يجرِ مثل هذا اللقاء خلال الزيارة، فإن مجرد عدم استبعاده سياسياً يعكس تبدلاً في المقاربة السورية مقارنة بالمرحلة السابقة، ويؤكد أن دمشق لا تريد تحويل علاقتها مع أي طرف لبناني إلى عنوان للمواجهة الداخلية، بل تسعى إلى الإبقاء على أبواب التواصل مفتوحة مع الجميع بما يخدم مصالحها الوطنية وحساباتها الإقليمية في هذه المرحلة على الاقل.

هذه المقاربة لا تبدو منفصلة عن الدورين التركي وال​قطر​ي اللذين برزا خلال الأشهر الماضية في إدارة قنوات التواصل بين دمشق وعدد من الأفرقاء اللبنانيين، ولا عن محاولة إنتاج توازن جديد يسمح بإبعاد الساحة اللبنانية عن أيّ توتر إضافي. فلبنان وسوريا يواجهان تحديات أمنية وسياسية متشابكة، فيما تتعامل ​إسرائيل​ مع الساحتين باعتبارهما جزءاً من جبهة واحدة، وهو ما يفرض، من وجهة نظر العديد من القوى الإقليمية، بناء آليات تعاون تمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

مع ذلك، يبقى من المبكر اعتبار أن هذه الزيارة أسست لتحالفات جديدة أو حسمت اتجاه العلاقات السورية–اللبنانية في المرحلة المقبلة. فالمنطقة ما زالت تعيش مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات، والدور الأميركي سيبقى عاملاً مؤثراً في رسم حدود الحركة السورية داخل لبنان، كما أن قدرة دمشق بالحفاظ على سياسة الانفتاح تجاه مختلف القوى اللبنانية ستظل مرتبطة بتطورات المشهد الإقليمي. لكن الثابت أن زيارة الشيباني كشفت عن تبدل واضح في أسلوب إدارة العلاقة مع لبنان، وأن اللقاء مع بري حمل رسالة سياسية تعكس بداية مقاربة مختلفة قد تتوسع تبعاً لمسار التفاهمات الإقليمية في المرحلة المقبلة.

تم نسخ الرابط