التعليم في لبنان بين الحرب واللاعدالة.. من يملك حق التعلّم؟
يشهد قطاع التعليم في لبنان لحظة مفصلية تتجاوز حدود الأزمة التقليدية، لتلامس جوهر العدالة التربوية وحق الإنسان في التعلّم.
فمع نزوح ما يقارب نصف مليون طالب، وتحويل مئات المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء، لم يعد الحديث عن استمرارية التعليم كافياً، بل بات السؤال الأهم: أي تعليم؟ ولمن؟ وبأي شروط؟
صحيح أن وزارة التربية أصدرت تعميم يتيح اعتماد التعليم المدمج أو عن بُعد، مع استمرار التدريس في المناطق الآمنة، كما بادرت شركات الاتصالات إلى إطلاق باقات إنترنت مجانية دعماً للتعلّم.
إلا أن هذه الإجراءات على أهميتها، تبدو منفصلة عن الواقع اليومي الذي يعيشه الطلاب وأهاليهم.
فالإنترنت في لبنان الذي يُفترض أن يكون شريان التعليم البديل، يعاني ضعفاً شديداً وانقطاعاً متكرراً، ما يجعل التعلم عن بُعد تجربة متقطعة، غير مستقرة وأحياناً مستحيلة.
أما الطلاب النازحون فغالباً ما يعيشون في ظروف قاسية، داخل مراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من الخصوصية والهدوء، فضلاً عن الضغوط النفسية التي تجعل من التركيز على الدراسة ترفاً لا قدرة لهم عليه. وفي موازاة ذلك، يعيش الأهل حالة من القلق والخوف، ما ينعكس مباشرة على قدرتهم على دعم أبنائهم تعليمياً أو حتى نفسياً.
في ظل هذا الواقع يبرز خلل جوهري، كيف يمكن القبول باستمرار التعليم بشكل طبيعي في مناطق معينة، بينما يُحرم منه طلاب في مناطق أخرى؟
كيف يمكن تبرير هذا التفاوت الصارخ، وكأننا أمام نظامين تعليميين داخل البلد الواحد؟
إن مبدأ تكافؤ الفرص، الذي يُفترض أن يكون حجر الأساس في أي سياسة تربوية، يتعرض اليوم لاهتزاز غير مسبوق.
الأكثر إشكالية هو ما اتخذته بعض الجامعات من قرارات بإجراء الامتحانات حضورياً، رغم أن العديد من الطلاب نزحوا إلى مناطق بعيدة عن جامعاتهم. فالوصول إلى مراكز الامتحان بات محفوفاً بالمخاطر، سواء بالنسبة للطلاب أو لأهاليهم الذين يضطرون لمرافقتهم.
يضاف إلى ذلك أن جدول الامتحانات غالباً ما يتضمن فواصل زمنية طويلة، قد تصل إلى أربع ساعات بين مادة وأخرى، ما يُجبر الطالب على البقاء لساعات في بيئة غير آمنة أو غير مهيأة، في ظل ظروف نفسية وجسدية مرهقة.
إن الإصرار على هذه الآلية لا يعكس فقط انفصالاً عن الواقع، بل يضع الطلاب أمام خيار قاسٍ.
المخاطرة بسلامتهم أو خسارة عامهم الدراسي.
وهذا خيار لا يجب أن يُفرض على أي طالب، تحت أي ظرف.
من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة النظر في مجمل المقاربة التربوية المعتمدة حالياً. فبدلاً من السعي إلى فرض استمرارية شكلية للتعليم، ينبغي البحث عن حلول عادلة وواقعية، تأخذ في الاعتبار الفروقات الهائلة في الظروف بين الطلاب. ولعل اعتماد علامات نصف السنة، أو أي آلية تقييم بديلة مرنة، يشكّل خطوة إنسانية قبل أن تكون تربوية، تحفظ حق الطلاب وتراعي أوضاعهم الاستثنائية.
إن التعليم في زمن الأزمات لا يمكن أن يُقاس بالمعايير ذاتها المعتمدة في الأوقات الطبيعية. والمسؤولية اليوم تقع على عاتق وزارة التربية، ليس فقط في إدارة الأزمة، بل في إظهار قدر من الرحمة والعدالة، يطمئن الطلاب وأهاليهم بأن الدولة لا تزال حاضرة لحمايتهم، لا لمضاعفة معاناتهم.
في النهاية لا يمكن بناء مستقبل بلد على نظام تعليمي يكرّس الفوارق بدل أن يردمها.
فإما أن يكون التعليم حقاً متاحاً للجميع، أو يتحول إلى امتياز يُمنح لمن تسمح له ظروفه بذلك.
وفي الحالة الراهنة، يبدو أن الخيار الثاني يتسلل بصمت، ما يستدعي وقفة جادة قبل فوات الأوان.