المطابخ الجماعية… جبهة الصمود في وجه النزوح
لم يكن نزوح أبناء الجنوب نحو مناطق أكثر أمانًا، عقب إنذارات الإخلاء، مجرد حركة انتقال جغرافي بحثًا عن ملاذ آمن؛ بل سرعان ما تحوّل إلى اختبار قاسٍ لقدرة المجتمع على التضامن ودعم الصمود.
ومع امتلاء مراكز الإيواء، برزت أزمة أشد إلحاحًا: كيف يمكن تأمين الاحتياجات الأساسية، وفي مقدمتها الطعام لآلاف العائلات التي غادرت بيوتها على عجل، بلا مؤونة ولا قدرة مالية تكفي لمواجهة أيام النزوح؟
وفي ظل أزمة معيشية خانقة وإمكانات محدودة للدولة، وجدت هذه العائلات نفسها أمام يوميات ثقيلة تتقاطع فيها مرارة النزوح مع قسوة الفقر. تحرّكت البلديات والجمعيات الأهلية سريعًا محاولةً سدّ هذا الفراغ، وتعاظمت المبادرات الفردية والجماعية، واتّسعت رقعتها مع اتساع الحاجة. حتى مواقع التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى منصات حيّة للتكافل، تُعلن عبرها المبادرات، فتلاقت الأيادي في مشهد يعكس وجهًا آخر للبنان، وجه التضامن في وجه الحرب الإسرائيلية البشعة.
وفي قلب هذا المشهد، برزت المطابخ الجماعية كمحور أساسي للاستجابة؛ بعضها تابعة لجمعيات، وأخرى بجهود طهاة متطوعين، تحوّلت إلى خطوط إنتاج يومية للوجبات الساخنة، بينما ذهبت مبادرات أخرى إلى توزيع المواد الغذائية والعينية للعائلات كي تطهو بنفسها، في محاولة للحفاظ على شيء من الاعتياد وسط الفوضى.
في الهلالية في صيدا، اختار الشيف محمد عبد المنعم أن يكون جزءًا من هذا المشهد. لم يقف متفرجًا على الأزمة، بل فتح مطبخه ليكون مساحة للعمل الجماعي، وأطلق مبادرة لتحويل مطبخه إلى خلية عمل يومية لإعداد آلاف الوجبات الساخنة، كما فعل سابقًا في الحرب الأولى.
وأوضح عبد المنعم لـ"النشرة"، أن هذه الخطوة جاءت تحت عنوان «إيد بإيد»، استجابةً لتزايد أعداد العائلات المحتاجة والنازحين في المدينة، موضحًا أن المطبخ يستقبل التبرعات من المواد الغذائية وليس الأموال، وكل من لديه النية للطبخ ومساعدة النازحين فليأتِ إلينا ونتشارك في تأمين الوجبات.
وأكد أن استمرار المبادرة يواجه تحديات كبيرة، في ظل ارتفاع الأسعار واتساع رقعة الاحتياج، وصعوبة تأمين ثلاث وجبات يوميًا. ودعا إلى ضرورة تكاتف الجهود من خلال دعم المبادرة بالمواد الأولية أو المساهمة في تغطية تكلفة الوجبات، مشددًا على أن حجم المسؤولية يفوق قدرة أي جهة منفردة، ويتطلب تعاونًا واسعًا من المجتمع.
مطبخ الرحمة
توازيًا، وسّع مركز الرحمة لخدمة المجتمع دائرة أداء رسالته الإنسانية واستجابته الإغاثية عبر مطبخه ومطعم الخير المجاني، حيث بات يقدّم وجبات عائلية ساخنة ضمن مبادرة مستمرة تهدف إلى تأمين الأمن الغذائي للفئات الأكثر حاجة، بالتنسيق مع غرفة إدارة الكوارث في بلدية صيدا وبلدية حارتها.
ويقول مدير المركز ماجد مركيز لـ "النشرة"، إن المطبخ تمكّن من تغطية 16 مركزًا للإيواء، حيث عمل على توزيع وجبات عائلية استفاد منها 10625 نازحًا، إلى جانب 1250 وجبة مخصّصة للأطفال، إضافة إلى تأمين 2000 جالون من مياه الشرب. وأشار إلى أن المركز وزّع 125 جاكيت شتويًا للأطفال، و600 قطعة من مستلزمات الإيواء، شملت الفرش والمخدات والحرامات، مساهمةً في التخفيف من قساوة ظروف النزوح.
المطبخ الشعبي
وفي صيدا، لم تهدأ الحركة داخل المطبخ الشعبي التابع لمستوصف رشيد بروم، الذي ما فتئ يقدّم وجبات يومية ساخنة منذ سنوات، وصلت اليوم إلى نحو 1000 وجبة، وذلك من أجل مساعدة النازحين على تأمين احتياجاتهم اليومية.
تقول المشرفة على المطبخ، سناء دباغ لـ "النشرة"، إن فكرة المبادرة انطلقت في شباط عام 2020، عقب تفاقم الأزمة المعيشية والانهيار الاقتصادي، بهدف المساهمة في تأمين الحد الأدنى من الغذاء للأسر الأكثر حاجة. وقد بدأ المطبخ بتقديم وجبات ساخنة يومية عند الظهيرة، قبل أن تتوسع خدماته تدريجيًا، لا سيما خلال فترات الحروب الإسرائيلية، حيث ارتفعت وتيرة التقديمات لتصل اليوم إلى نحو ألف وجبة يوميًا.
وأشارت دباغ إلى أن العمل في المطبخ يعتمد بشكل أساسي على متطوعين ومتطوعات، يتقاسمون المهام المختلفة، من إعداد الطعام إلى الجلي والتنظيف، وصولًا إلى عملية التوزيع.
وأوضحت أن المطبخ يوزّع يوميًا نحو ألف وجبة، منها 630 وجبة إلى مركز إيواء "متوسطة معروف سعد"، و370 وجبة إلى نازحين غير مستفيدين من خدمات مراكز الإيواء، ويتواجدون في المنازل أو السيارات أو على الكورنيش البحري، مؤكدة أن التوزيع يشمل كل نازح محتاج.
كما لفتت إلى أن المطبخ يوزّع أيضًا التبرعات العينية التي ترد إليه، مثل مواد التنظيف، والمواد الغذائية، والفرش، والحرامات، وحفاظات الأطفال، وحليب الرضع، وأواني المطبخ، بالإضافة إلى الخضار والفواكه، حيث يتم تسليمها للنازحين بالتزامن مع توزيع الوجبات، كما يُنفَّذ برنامج يومي للغسيل والاستحمام.

