تهديد الضاحية يعود؟ … هل تبدأ إسرائيل معادلة "المسيّرة مقابل الأبنية"؟
عاد التصعيد الإسرائيلي ضدّ "حزب الله" ليرتفع إلى مستويات غير مسبوقة، مع تهديدات مباشرة أطلقها وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، دعا فيها إلى تدمير مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل كلّ طائرة مسيّرة يطلقها حزب الله، في موقف يعكس اتجاهاً إسرائيلياً نحو تكريس معادلات ردع أكثر عنفاً واتساعاً في المرحلة المقبلة.
وجاءت تصريحات سموتريتش عقب إعلان الجيش الإسرائيلي مقتل مجنّدة إسرائيلية في عملية عسكرية شمال إسرائيل نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة من الحزب، حيث كتب عبر منصة "أكس": "الطريقة الوحيدة الآن لمنع الأذى عن جنودنا هي تدمير 10 مبانٍ في ضاحية بيروت مقابل كل طائرة مسيّرة"، مُضيفاً: "مقابل كلّ طائرة مسيرة تؤذي أحد جنودنا، دمّروا مئة مبنى. هكذا يكون الرد رادعاً".
تأتي التصريحات الإسرائيليّة التصعيديّة في توقيت بالغ الحساسية، وسط استكمال المسار التفاوضي وترقّب جلسات أمنية وسياسية بين لبنان وإسرائيل ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان التّصعيد العسكري جزءاً من استراتيجية ضغط تهدف فرض شروط في التفاوض.
وفي قراءةٍ للمشهد، يرى الخبير العسكري العميد الركن الدكتور حسّان جوني، في حديث لموقع mtv، أنّ "لبنان يعيش لحظة تفاوض دقيقة جداً"، مشيراً إلى أنّ "هناك جلسة أمنية مرتقبة في 29 الشهر تتبعها جلسة سياسيّة، وهذا التوقيت يُعتبر حرجاً للغاية".
ويوضح جوني أنّ "منطق التفاوض عادة ما يترافق مع تصعيدٍ أمنيٍّ وعسكريٍّ، لأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يريد أن يذهب الوفد اللبناني إلى أيّ جلسة تفاوض وهو مثقل بضغط هائل على الدولة والمجتمع والبيئة الحاضنة لحزب الله"، لافتاً إلى أن "إسرائيل تواجه "مشكلة عملياتيّة حقيقية" مع المسيّرات التابعة لحزب الله، وتل أبيب اعترفت بعجزها عن إيجاد حلّ تقني وعسكري مباشر لهذه المسيّرات، ما دفعها إلى اعتماد سياسة تقوم على الضّغط المكثف عبر الغارات والتدمير الواسع للقرى والمباني السكنية".
ويقول: "الإسرائيلي يحاول تكريس قاعدة اشتباك مفادها أنه طالما سيواصل حزب الله إطلاق المسيّرات، فإنه سيواصل الضربات الموجعة ضد المباني والمناطق المدنيّة، بهدف ردع الحزب عن استخدام هذا السلاح"، إلا أن جوني يعتبر أن "هذه السياسة لم تحقّق أهدافها حتى الآن"، موضحاً أن "حزب الله لم يرتدع واستمرّ بإطلاق المسيّرات، الأمر الذي دفع إسرائيل إلى توسيع عملياتها البرية بحثاً عن مطلقي المسيّرات، رغم الكلفة البشرية التي تتكبدها".
ويضيف جوني أنّ الجيش الإسرائيلي "بات يعتبر أنّ خسائره الناتجة عن المسيّرات تفرض عليه تقبّل مخاطر التوسّع البري أملاً بتحقيق نتائج ميدانيّة"، شارحاً أن "التقدّم الإسرائيلي على محور زوطر يأتي ضمن هذا السيّاق، والهدف التكتيكي يتمثّل بمحاولة احتلال منطقة أرنون – الشقيف باعتبارها جزءاً من "الخط الأصفر" الذي أعلنته إسرائيل سابقاً"، ولكنّ جوني يؤكد في المقابل أن "القوات الإسرائيلية تتعرّض لضربات من حزب الله في المناطق التي تتقدّم فيها، ما يزيد من حجم التورط الميداني".
وفي موازاة ذلك، يلفت إلى أنّ المشهد لا تحكمه الاعتبارات العسكرية فقط، بل هناك عوامل سياسية وإقليمية تضغط أيضاً على مسار العمليات، أبرزها الموقف الأميركي، وقال: "هناك ضغوطٌ يمارسها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لمحاولة تقييد العمليات الإسرائيلية، إلى جانب ضغوط إقليمية، ما يعني أنّ ما يجري على الأرض له أبعاد تتجاوز السّاحة اللبنانية".
ويرى جوني أنّ "استخدام المسيّرات من قبل حزب الله سيستمر رغم توسيع العمليّات البريّة"، محذّراً من أن "إسرائيل قد تذهب نحو معادلات ردع أقسى، انطلاقاً من التهديدات التي أطلقها سموتريتش بشأن الضاحية الجنوبية".
ويشدّد جوني على أن الهدف الإسرائيلي "مزدوج"، موضحاً أن "الهدف الأول هو ردع حزب الله ووقف إطلاق المسيّرات، أما الهدف الثاني فهو محاولة تأجيج البيئة الحاضنة ضد الحزب، بعدما قد تكون إسرائيل رصدت بعض حالات الاعتراض أو النفور نتيجة حجم الدمار"، خاتماً بالقول: "الإسرائيلي يراهن على أن التدمير الواسع في الضاحية الجنوبية قد يفاقم هذه الحالة الشعبية ويشكّل عامل ضغط داخلي على حزب الله".
في ظل هذا المشهد المعقّد، تشخص الأنظار نحو التطوّرات الميدانية والسياسية في الأيام المقبلة، باعتبارها العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان لبنان يتّجه نحو تصعيدٍ أوسع، أو نحو احتواء مؤقّت للحرب، في وقتٍ تبدو فيه كلّ السيناريوهات مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة