ورود أملٍ من لبنان الى السعوديّة...
حطّت في الرّياض أولى شحنات البضائع اللبنانيّة على متن طائرات الـ"MEA"، بعد استئناف حركة إعادة التصدير. والمفاجأة، أنّها لم تكن محمّلة بمنتجات صناعيّة أو غذائيّة، بل بالورود... في مشهدٍ حمل أكثر من رسالة، وأعاد بصيص أمل إلى قطاعٍ لطالما شكّل جزءًا من الهويّة الزراعيّة اللبنانيّة.
لكنّ هذه الصورة المشرقة لا تعكس، للأسف، واقع القطاع. فبينما يُعيد استئناف التصدير فتح نافذة أمل أمام مزارعي الأزهار، لا تزال التحدّيات التي أثقلت كاهلهم خلال السّنوات الماضية حاضرة بقوّة.
وتشير الإحصاءات إلى أنّ صادرات لبنان من الزهور المقطوفة بلغت نحو 2.7 مليون دولار في عام 2024، ليحتلّ المرتبة الـ53 عالميًا. وتصدّرت الإمارات العربيّة المتحدة قائمة الدول المستوردة، تلتها مصر والعراق وقطر والكويت، فيما سجّلت مصر والعراق والإمارات أعلى معدّلات نموّ في الاستيراد مقارنة بعام 2023.
في المقابل، استورد لبنان زهورًا مقطوفة بقيمة 949 ألف دولار في عام 2024، وكانت كينيا وهولندا وإثيوبيا والهند ومصر أبرز الدول المورّدة، مع تسجيل كينيا وإثيوبيا ومصر أعلى معدّلات نموّ في صادراتها إلى السوق اللبنانيّة.
ولكن، رغم المؤشّرات الإيجابيّة، أكّد النقيب السابق لنقابة مزارعي المشاتل والأزهار جوزيف أبو زيد، أنّ "القطاع لا يزال يرزح تحت أعباء كبيرة". وقال أبو زيد، في حديثٍ خاصّ إلى موقع MTV، إنّ "مواسم الأعراس تُنعش سوق الورود، لكنّ القطاع لا يزال متعباً"، مشيرًا إلى أنّ "عددًا كبيرًا من المشاتل توقّف عن الإنتاج، فيما يعاني السوق نقصًا في الأزهار والشتول، مضيفًا: "للأسف، ليس كلّ ما نطلبه متوافرًا في لبنان".
ووصف أبو زيد واقع القطاع بـ"التعبان"، عازيًا ذلك إلى ارتفاع كلفة الإنتاج، ولا سيّما أسعار الأسمدة، ومبيدات الرش، وأجور الأراضي وسائر المستلزمات الزراعية، معتبرًا أنّ "المزارعين يواجهون ظروفًا صعبة، فيما لا يزال الدعم الرسمي دون المستوى المطلوب".
وأوضح أنّ "الدولة تقدّم دعمًا للقطاع الزراعي، لكنّه غير كافٍ"، مشدّدًا على أنّ "هذا القطاع يحتاج إلى نحو سنتَين ليستعيد عافيته، شرط توافر الإرادة والعمل الجدّي". كما لفت إلى أنّ "باب الاستيراد لا يزال مفتوحًا، في حين تبقى الرسوم الجمركيّة على الورود متدنّية"، معربًا عن أمله في رفعها لتشجيع الإنتاج المحلي والوصول إلى اكتفاء وطني مقبول.
ولم يُخفِ أبو زيد عتبه على وزارة الزراعة، معتبرًا أنّ "جهودها لا تنعكس باهتمام استثنائي بقطاع المشاتل والأزهار فلبنان كان يصدّر الزهور والشتول على مدى سنوات، لكنّنا اليوم لم نعُد نرى تلك الحركة".
وفي ما يتعلّق بالتصدير، شدّد على أنّ "استعادة الأسواق الخارجية تبقى مرتبطة باستقرار البلاد وعودة كلّ المناطق إلى الإنتاج الزراعي"، مذكّرًا بأنّ "إنتاج البقاع في السابق كان يفوق الاستهلاك المحلي، ما أتاح للبنان تصدير كميّات كبيرة إلى الدول العربيّة".
وشدّد على أنّ "لبنان يمتلك كلّ المقومات لإنتاج أجود أنواع الزهور بفضل مناخه الملائم، إلّا أنّ ذلك يحتاج إلى دعمٍ فعلي من الدولة، قائلًا: "الحكي كثير لكنّ الفعل قليل"، مطالبًا بخطوات عملية، ونوايا جدّية للنهوض بالقطاع"، قائلًا: "في السّنوات السّابقة، كان المزارعون يعتمدون على الخيم البلاستيكية وأنظمة التدفئة ويتحمّلون كلفة الكهرباء والمازوت لأنّ الإنتاج كان مجديًا"، آملًا "استعادة تلك المرحلة لأنّها ليست مستحيلة إذا توافرت المقومات".
وكشف عن أنّ "بعض التجّار يضطرون اليوم إلى استيراد طائرات محمّلة بالزهور من الخارج، في حين كان بالإمكان إنتاج هذه الكميّات محليًّا وتصديرها بدل استيرادها لو توفّرت الإمكانات اللازمة".
وفي ختام حديثه، وجّه أبو زيد رسالة إلى وزير الزراعة نزار هاني، قائلًا: "حبّيناك"، لكن التفت إلينا وإلى سوق الزهور والمشاتل، وابدأ بتنظيم معرض للأزهار "لنقلّع"، مضيفًا بأسف: "حتى الآن، لا مركز للنقابة".
وفي النهاية، يبقى الأمل سمةً تميّز اللبنانيّ رغم الظروف. وتبقى شحنة الورود الأولى بعد استئناف التصدير رسالةَ أمل، لكنّ تحويلها إلى انتعاشٍ حقيقيّ يتطلّب دعمًا فعليًا يعيد إلى القطاع ازدهاره...