الحصار البحري على إيران: واشنطن تنقل المعركة إلى شرايين الطاقة
إعلان الولايات المتحدة الأميركية عن الانتقال إلى حصار بحري على إيران يعكس رغبة اميركية باستكمال الحرب والضغط ولكن بشكل آخر، فهو يهدف لمحاولة خنق مصدر القوة الأساسي لدى طهران، أي قدرتها على تصدير الطاقة وربط نفوذها الإقليمي بتدفقات مالية مستقرة.
هذا النوع من الحصار يقوم على تشديد الرقابة على حركة الناقلات والبواخر ومنع التحرك، بالاضافة الى توسيع العقوبات الثانوية على الشركات والدول التي تتعامل مع النفط الإيراني والضغط على شركات التأمين والشحن، دون ان نغفل تكثيف الحضور العسكري في نقاط العبور البحرية الحساسة، خصوصا في الخليج ومضيق هرمز وبحر الخليج.
ما يريده الرئيس الاميركي دونالد ترامب من هذه الخطوة عمليا هو محاولة نقل الضغط من البر إلى البحر، لأن التجربة الأميركية مع إيران خلال السنوات الماضية أظهرت أن العقوبات المالية وحدها، رغم قسوتها، لم تنجح في إسقاط قدرة طهران على الاستمرار، بل دفعتها إلى تطوير اقتصاد موازٍ وشبكات تجارية برية. لذلك، فإن استهداف الشريان البحري يهدف إلى تقليص كل تلك الهوامش ضرب القدرة على الصمود، عبر جعل تصدير النفط أكثر كلفة وخطورة، وإرسال رسالة للدول المستوردة، وعلى رأسها الصين، بأن التعامل مع النفط الإيراني قد يصبح خطرا، وهذا ما يفرض مسؤولية كبرى على بكين ايضا.
صحيح أن الاقتصاد الإيراني يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط، وأن أي تضييق إضافي سيؤثر على الإيرادات الحكومية، وسعر العملة، ومستوى التضخم، إلا أن طهران راكمت خلال السنوات الماضية خبرة واسعة في الالتفاف على القيود من جهة والاكتفاء الذاتي من جهة أخرى، فهي كانت تعتمد على أسطول من الناقلات التي تعمل بطريقة مموّهة، من إطفاء أجهزة التتبع إلى تغيير الأعلام والوجهات، وغيرها من الوسائل، وكل مراكز الأبحاث الغربية كانت تشير إلى أنّها نجحت رغم العقوبات في الحفاظ على مستوى تصدير يتراوح بين مليون ومليون ونصف برميل يوميا في فترات مختلفة، وهو ما يدل على أن الحصار، حتى في حال تشديده، لن يكون قادرا على وقف الصادرات بالكامل، وحتى لو توقفت فإنّها استعدت لهذا الشكل من الحرب وسترفع من كلفته على العالم ايضا.
الصعوبة الأساسية أمام الولايات المتحدة تكمن في طبيعة الجغرافيا السياسية للمنطقة، فمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من إمدادات النفط العالمية بحسب إدارة معلومات الطاقة الأميركية، لا يمكن السيطرة عليه بشكل مطلق دون المخاطرة بانفجار واسع، وأي محاولة لفرض حصار فعلي وشامل ستعني احتكاكا مباشرا مع قوات إيرانية، ما يرفع احتمالات عودة التصعيد العسكري.
أما على مستوى التأثير العالمي، فإن أي تصعيد في هذا الاتجاه ينعكس فورا على أسواق الطاقة، لان التجارب السابقة أظهرت أن إغلاق مضيق هرمز أو استهداف الملاحة يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، ما يضغط على الاقتصاد العالمي، وهو ما ستسعى اليه طهران، حتى ولو كانت اميركا تريد من العالم ان يلجأ لشراء نفطها، لان قدرتها لا تستطيع ان تلبي الحاجة العالمية، وبالتالي الصين واوروبا سيكونان ابرز المتضررين بالإضافة الى الاقتصادات الاسيوية الكبرى.
إلى جانب ذلك، هناك بُعد قانوني، فالحصار البحري بمعناه الصارم يُعد وفق القانون الدولي عملاً حربياً إذا لم يكن مغطى بقرار من مجلس الأمن، وهو ما لا يتوفر في الحالة الإيرانية بسبب التوازنات الدولية، خصوصا الموقفين الروسي والصيني، وبالتالي فإن اميركا تمعن في ضرب القوانين الدولية وهذا يثير قلق كل باقي دول العالم حيث لم يعد هناك مكان للقانون بل للقوة ولذلك هناك حذر بالاشتراك بالحرب الأميركية على ايران.
هل يحقق هذا الحصار نتائج ويجعل ايران تتنازل امام الشروط الاميركية؟ هذا هو السؤال الأهم علما ان التجربة الممتدة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018 تشير إلى أن الضغط الاقتصادي، مهما اشتد، لم يدفع إيران إلى تغيير جوهري في سلوكها الاستراتيجي، بل أدى غالبا إلى نتيجة عكسية، حيث عززت طهران برنامجها النووي ووسعت حضورها الإقليمي، فهل يتغير هذا الواقع اليوم؟.